في يوم حار من ايام حزيران اللاهبة ذهبت مع صديقي « كنيث رايت » بسيارة زايس من موسكو الى نواحي الريف وكانت الطريق جميلة للغاية تظللها عن الجانبين غابات الشربين والصنوبر . كنت ذلك اليوم متعباً ساهراً طول الليل احضر حفلات موسيقية ولكن بالرغم من ذلك كنت متحمساً لاصل الى كعبة الموسيقيين - الى بيت تشيكوفسكي قرب قرية كان التي تبعد ٩٠ ميلاً عن موسكو .
بينما السيارة تجتاز بنا القرى الصغيرة والبيوت الخشبية المزخرفة والكنائس القديمة اذا بصديقي يبادرني قائلاً : « كن على استعداد وامسك بآلتك التصوير ، من يعلم فقد تأخذ صورة لشبح تشيكوفسكي !!
وبعد بضع ساعات وصلنا الى بيت تشيكوفسكي ، فهو طابقان من خشب مدهون بلون احمر داكن ، فتوجهنا نحو الباب واذ بنا نرى يافطة قديمة باهتة كتب عليها : « ب . تشيكوفسكي يستقبل ايام الاثنين والثلاثاء ، ليس موجوداً في البيت ، لا تزعجه » . وبينما نحن نتأمل الكتابة واذ بالباب يفتح فانعقد لساننا وحدّقنا في ذهول بالشخص الواقف امامنا لشدة الشبه بينه وبين
تشيكوفسكي ، وتمتم بصوت خافت « كنيث ، هذا هو الشبح . ! » والحق ان من يتأمل ملياً ملامح هذا الرجل يحسبه تشيكوفسكي ذاته فله استدارة الرأس نفسها وتلك اللحية البيضاء

القصيرة !! لقد رحب بنا بانكليزية واضحة متمنياً لنا طيب الاقامة . ولم يكن هذا الشيخ بوجهه الصبوح سوى « فلاديمير دافيدوف » ابن ألكسندرا شقيقة تشيكوفسكي المحببة لقلبه ، ولم يكن هو سوى الولد المدلل عند خاله ولقد اتخذه صديقاً ومرافقاً له في ايامه الاخيرة . فمن واحد وستين عاماً كان فلاديمير بالجيش وحضر وفاة خاله والان
تراه في الثمانين من عمره يشرف على هذا المتحف بحيوية وبوجه لا تفارقه الابتسامة .
ان هذا البيت الذي يؤمه الزوار من كل أنحاء العالم هو ثالث بيت سكنه تشيكوفسكي في هذا الجوار ، فكان يستعمل الطابق العلوي للمنامة والشغل والطابق الاسفل للاكل ، ولما توفي تشيكوفسكي اشترى البيت خادمه الكسي سفرونوف وحافظ على كل مخلفات معلمه لكن بعد مضي اربع سنوات اي سنة ١٨٩٧ اشترك موديست شقيق الموسيقار وابن اخته دافيدوف في شراء البيت وتجهيزه ليصبح متحفاً للزوار ، ودافيدوف هو الذي تسلم ادارة البيت لانه كان يحبه اكثر من نفسه . صعدنا الى الطابق العلوي ودخلنا غرفة الجلوس فهي طويلة وضيقة وكل اثاثها من النوع الضخم وتصدر الغرفة بيانو وطاولة ملأى بعلب السكاير لان تشيكوفسكي كان كثير التدخين ، هكذا اخبرنا دافيدوف ، وعلى الطاولة رأينا ايضاً مفكرة كتب عليها : « يجب ان اكون في لندن في اول حزيران » . انه بالحقيقة وصل لندن في ٢٩ ايار سنة ١٨٩٣ وحضر في ١ حزيران عزف سنفونيته الرابعة ، وبعدها ذهب لكامبردج وكان طول ذلك الوقت
