في سرعة البرق كانت عربة الاجرة تنهب الشارع وقد ازدحم بدفق الناس ، وحشد العربات ... وكانت صامتة كالجدث لا تعي ما يدور حولها ، بل تمسك قلبها بيديها خوفاً ... هي لا تخاف الموت ، ولكنها لا تتمناه موتاً احمر وفي عرض الشارع ...
وكان من الطبيعي ان تسمع المذياع الذي ما انقطع لحظة ؛ والمذياع هنا اسم مستعار للسائق الكريم ، فلم يبق في قاموس مفرداته كلمة الا واستعملها مرتين او ثلاثاً ولماذا لا يغتنم الفرصة وهذا الحشد من حوله يؤلف جمهور مستمعين ، والى جانبه من يضحك و « يطبطب » له ؟ ...
ويلمح فتاة تقطع الطريق امام سيارته فيمد رأسه ، دون خجل ، لينفث بعض مفرداته في وجهها ؛ وقد يسبقه احد زملائه ، فينال من سيل الحروف ما يغسله ، والطامة الكبرى
اذا التقى صاحبنا بصديق حميم ، فانه لا يتوانى عن الوقوف في عرض الشارع ليسأل الصديق الكريم عن الحال ، والعيال والشوارب الحلوين ... دون ان يفكر بان معه في العربة موظفاً يعد الثواني ، وعاملاً قد يؤدي تأخر الخمس دقائق الى طرده ...
صدف مرة ان صعدت سيارة تعمل على احد خطوط القطار الكهربائي ؛ لا ازال حتى الآن اذكر الانقباض الذي
تولاني حين سمعت السائق ينادي باعلى صوته ؛ صار اصطدام ... عشرات القتلى ... الترام واقف ...
والاصطدام من ابداع خيال السائق طبعاً ؛ فهو لم يخجل من ترداد هذه العبارة طوال الطريق ، وكأنه يعيد مقطوعة شعرية او يرنم نشيداً حلو النغم ... ولا يلام هذا السائق بنظري اكثر ما يلام الشعب الذي يضحك ، « ويطبطب » له رضاء واستحساناً ...


