
قال لي صغيري، وعيناه الحادثان تعبثان بشرودي عبثاً، وقسماته السمر، توشي ناظريه بدكانة وصلابة لم أعهدهما فيه يوماً، وقد أخذ يهزني بعنف من كتفي، بعد أن أمعن النظر متعجباً برابع جنازة تمر أمام الشرفة دون استئذان بمدة يومين اثنين - هما في عالم الطفولة أعوام - في طريقها إلى المقر الأبدي:
- ماما! ماما! أنا لا أحب الله، ولن أصلي له قبل النوم، ولا بعد أن أستيقظ ...
وكأن هاتين الكلمتين كانتا كتعويذة لذهولي، فاستفقت مذهولة مرة أخرى، واستعذت بالله مما أسمع ... ثم أجلست صغيري على ركبتي، ومسحت على رأسه بيدي، وهددت
ثورته بقبلة على العين، وأخرى على الخد، وسألته مداعبة مستضحكة:
- قل لي، من قال لك هذا الخلط يا وليد؟
وأفلت من يدي بغتة ليقول لي مؤكداً، حسب لغته الخاصة، وقد نسي جواب ما سألت:
- إذا كان الله محباً، ودوداً كما تقولون كلكم، لما أمات الناس هكذا !!
وأشار بيده الصغيرة البضة إلى النعش الساري الهويني على نغمات من الموسيقى الخافتة، ثم استدار ليؤكد لي مرة أخرى بأنه لا يحب هذا الذي يبيت الناس.
فقلت وقد ارتج عليّ، فلم أجد بداً من مداورته على - الطريقة الفلسفية - لئلا يخلص إلى الظن بأنه قد انتصر بهذا الهراء، هو ابن الأربع، على أمه الكبيرة ... الكبيرة التي يحترم آراءها بالبداهة وحسب، كما كان يخيل إلي حتى تلك الساعة:
- ولكن الموت جميل يا وليد، يذهب بالإنسان إلى الجنة ليحيا هنالك حياة أفضل مما يحياها هنا ...
ولكنه قاطعني قائلاً، وقد أخذت الكلمات تتدفق من فمه متراكضة كأنما تريد أن تندمج كلها في تعبير واحد.
- ولكن أليس بوسع الله أن ينقل الإنسان من هنا إلى الجنة دون أن يميته، ودون أن يضعه في التراب ليختنق ويتألم، ويخاف، ويبرد ويجوع ...
وظهر هذا الذي يعنيه في عينيه الداكنتين، بل في كل قسمة من قسمات وجهه، أنه ليشمئز من هذه المعاملة، أنه ليحنق عليها، ليس في ذلك من تعديل عنده، ولا عذر، ولا تبسيط ...
قلت وقد أسقط في يدي لئلا أتوسع في الشرح حسب طريقته، فيتوسع هو في الاتهام كيفما تهيأ له:
- اسمع يا وليد، إن الله ينقل الإنسان من هنا إلى السماء دون أن يؤلمه لأنه يكون في هذه الحالة كالنائم لا يحس باختناق ولا بخوف، ولا يبرد ولا يجوع.
وهنا انبسطت أسارير وجهه وقال لي مستفهماً:
- ولكن لماذا يضع الناس الميت في التراب ما دام الله
قادراً على نقله من هنا إلى الجنة دون مساعدتهم؟
قلت: - ذلك لأن الناس فضوليون، يريدون أن يتدخلوا في كل شيء، كالصغار الفضوليين، مثلاً، الذين يربكون أهلهم بأسئلتهم الكثيرة ...
فقال دون أن يعلق شيئاً على قصدي الذي فهمه:
- إذن عندما أكبر، سأرغم الناس على ترك أمواتهم لهذا (الله) الذي هو أرحم منهم كما يخيل إلي ...
قلت: فافعل ما أنت فاعل، وتعال الآن فخذ هذه الكرة والعب بها مع أخيك الأكبر ولعلك فائز عليه.
