رأساً على عقب فيعلو الثوب إلى حد الركبتين ويسقط الحزام ويجز الشعر وتأخذ المرأة شكلاً صبيانياً وتقل الأقمشة فيقتصد باستعمالها ويصبح ثوبها عملياً يراعي ظروف حياتها الجديدة .
وفي تاريخ الأزياء مراكز لعبت أدواراً هامة في هذا المضمار ومنها : اليونان ورومية ، وبيزنطية وباريس ، وفي العصر الحاضر هوليوود ونيويورك .
ولا أغالي إذا قلت أن باريس سباقة في هذا المضمار فقد ظهرت فيها منذ القرن التاسع ميلادي مخطوطات تصف أزياء السيدات ؛ وفي القرن الثاني عشر أصبحت المخطوطة المذهبة فناً معترفاً به لوصف أزياء العصر . وأصبحت فرنسا منذ أواخر القرن الرابع عشر زعيمة الأزياء في العالم الغربي فكانت تلبس الدمى وترسلها نماذج إلى البلاط الإنكليزي أو تبيعها إلى تجار البندقية فيعممها هؤلاء على العالم المتمدن . وسيطرت على أزياء العالم في أيام ملوكها في فرسايل فكان ما تلبسه الملكات أو سيدات البلاط بعد القول الفصل في الزي النسائي وهناك أسماء لعبت دوراً هاماً في هذا الحقل ومنها لافالليير ( La Vallière ) ومدام دي مونتسبان ( de Montespan ) ومدام دي منتنون ( Maintenon ) في بلاط لويس الرابع عشر ومدام دي بومبادور ( de Pompadour ) ودي باري ( Du Barry ) في بلاط لويس الخامس عشر . وماري أنطوانيت في قصر التريانون ( Trianon )
وجاءت الإمبراطورة أوجني زوجة نابوليون الثالث فأحيت حياكة الحرير
في معامل ليون وذلك بعد أن خاط لها ورث ( Worth ) ثوباً مصنوعاً من ذلك القماش ، وأصبح في فرنسا سنة ١٨٥٠ مائة وثمان وخمسون صالوناً لخياطة الفساطين وازداد عددها إلى أن أصبح في سنة ١٨٩٨ ما يقارب الألف والتسعمائة والاثنين والثلاثين صالوناً .
ومن ذلك نرى أن باريس عريقة في فن الخياطة ومن أمتع ما يختبره السائح في هذه العاصمة اليوم بضع ساعات يقضيها في معارض الأزياء في صالونات الخياطة المشهورة . ومن أهم هذه الصالونات صالون ديور ( Dior ) وبلمان ( Balmain ) وفاث ( Fath ) وريتشي ( Ricci ) وجرمان لكونت ( Germaine Leconte ) الخ . من الأسماء المعروفة عندنا .
وأهمية مصممي الأزياء أنهم فنانون خلاقون وقيمتهم المعنوية كقيمة كبار الفنانين . وإني أذكر أنه لما توفي فاث ( Fath ) كتبت عنه الصحافة اليومية أكثر مما كتبت عن وفاة أندريه جيد ( André Gide ) الكاتب العبقري العظيم ومقدار ما كتبت عن كلوديل ( Claudel ) الشاعر الفرنسي المشهور . وفي الصيف الماضي دعت الجامعة في باريس ديور ( Dior ) ليحاضر في صفوف المدنية الغربية عن أزيائه وطريقة عرضها . ومن آخر الأنباء أن مدام بونيه ( Bonneh ) زوجة السفير الفرنسي في واشنطن المتقاعد حالياً في باريس قد دخلت في إدارة صالون « ديور » .
وقد زرت مرة معهداً لتعليم البنات المهني مدة دراسته ثلاث سنوات بعد
الدراسة المتوسطة فسألت المفتشة العامة عن هدف المعهد فقالت بافتخار : « اننا نُعِدُ عاملات لكريستيان ديور » .
لا يسعنا حيال هذه الأهمية التي تتمتع بها بيوت الأزياء إلا أن نلقي نظرة على كيفية الإبداع والعرض والبيع : الدعوات شخصية وهي ترسل عادة للزبائن الذين سبق لهم أن اشتروا أو يودون الشراء . وترسل أيضاً لأهل الصحافة والمعاهد الفنية ورجال الدولة والسلك الدبلوماسي والمؤسسات الدولية وأهل المسرح والسينما . وكثيراً ما نرى الحضور مختلطاً من الجنسين .. على أن هناك فئة معينة لا يمكنها دخول العرض إلا حيال دفع مبلغ من المال يعادل المائة ألف فرنك ، وهي فئة الخياطين والخياطات وحقوق الابتكار محفوظة كحقوق الطبع للمؤلف وكثيراً ما ساق ديور المعتدين إلى المحاكم بتهمة النقل أو السرقة .
والحد الأدنى لثمن الثوب هو المائة ألف فرنك . ولذا فالأنيقات اللواتي يتمتعن بهذه الأزياء الجميلة هن عادة من طبقة الأثرياء الأميركية والأوروبية وزوجة رئيس الدولة والسفيرات الفرنسيات وقسم من سيدات السلك الدبلوماسي وممثلات المسرح والسينما .
ويتفرد كل من هذه البيوتات بأسلوب خاص وفن يتميز به عن سواه والمتفرج الناقد يجد نفسه بعد الاختبار القصير قادراً أن يميز بين خياط وآخر فكما أنه لكل من مشاهير الرسامين أسلوباً خاصاً به ومدرسة خاصة ينتمي إليها
( البقية على الصفحة ٥٠ )
