يقول «برتراند رسل» : «لقد تحقق أملي بالقضاء على خضوع المرأة للرجل».
ورسل «هو اليوم دون منازع، كبير فلاسفة العصر الأحياء. فما الذي يعنيه بهذا القول الجريء، ولا سيما في زمن يشكو فيه بعض البلدان من طغيان «المرأة»، بعد أن كانت الشكوى مركزة حول طغيان الرجل في كل مكان، منذ أقدم الأزمان.
في ذلك الزمان، كان الرجل نفسه عبداً. عبداً للجهل وللجهالة، عبداً للخرافات والأوهام، عبداً للشهوات والمادة الحسية، فكان من الطبيعي أن تنحط المرأة، وهي كائن مثل الرجل، وأن بدت أضعف منه، إلى مستوى رفيقها في الحياة. فكانت عند قوم مخلوقاً مشكوكاً في إنسانيته، وعند آخرين بهيمة لا تصلح إلا وعاء للنسل. وكانت المرأة بذلك عند الرجل جسداً وحسب. وهي في الحقيقة مثل الرجل روح وجسد، ولا تستقيم الحياة لدى كائن إلا بهذا التزاوج الأزلي.
ويجب أن نعترف أن الديانات السماوية الكبرى، هي وحدها التي حاولت أنصاف المرأة، بادئ ذي بدء، على مراحل. فقال المشرع الموسوي: ليست الديانة عليك يا أستير ـ ودافع السيد المسيح عن مريم المجدلية، وقال النبي محمد: الجنة تحت أقدام الأمهات.
وهكذا خرجت المرأة، بفضل هذا التوجيه العلوي من ظلمات التنكير إلى ضوء التعريف. وخطت بذلك خطوة
نحو... التحرر. وهي خطوة محمودة وإن اقتضت مئات السنين من التطور.
ونحن نعلم في ما نعاينه في واقع الحياة، أن التطور في كل صعيد عملية غاية في البطء. ولا سيما في صعيد الاجتماع. فليس بكاف أن يريد فرد أو أفراد أمراً حتى يتم له أو لهم ما أرادوا، بسحر ساحر. لذلك كانت الأمم المحافظة أقرب إلى الاستقرار، وبالتالي أدنى إلى بلوغ غاياتها من التطور المقصود، وأسرع من سواها.
غير أن الاستقرار نفسه، مثل الثورة، يفني أبناءه إذا استكانوا. فكان العلم الذي أخذت تطلبه المرأة كما طلبه الرجل، سبيلها إلى الخطوة التالية. وكانت هذه الخطوة الثانية أسرع من تلك. لأن العلم نفسه، وقد أنمى في المرأة شخصيتها، فتحسست كرامتها الإنسانية، هو مجد ذاته حركة دائمة. وللعلم فوق ذلك صفة ثانية خطيرة هي أنه عام، عالمي، فكان تطور المرأة بفضل العلم، عاماً عالمياً، وكانت نهضتها حركة دائمة مستمرة التصعيد!
ويكفي أن نشير إلى ما بلغته المرأة، في مثل بريطانيا العظمى، من فرض نفسها على... العرش، ومن فرض شخصيتها، من فوق ذلك العرش، على الدنيا: فكانت الملكة فكتوريا مثلاً.. عنواناً لعصرها بأسره، وكان في ذلك للمرأة بالتالي، لقضية المرأة، كسب كبير.
فهل يعني تحرر المرأة في مفهوم الفيلسوف المعاصر برتراند رسل أنها
صارت ـ لا ملكة فحسب ـ بل صارت تملك زمام الرجل، بعد أن كان زمامها في قبضته، ولو تبوأت عرش الحكم ؟
في القديم نجد أسماء ملكات وبطلات عرفن، وعرفت بلادهن بعهودهن الزاهرة. فمن زنوبيا ـ تدمر، إلى دادون ـ قرطجنة، ومن كليوبطرا ـ اليونان إلى حتشبوت ـ الفراعنة ـ جميعهن نساء متوجات، وملكات حاكمات. ولكن أثرهن، برغم كل ذلك في نهضة المرأة، ظل محدوداً، لم يتجاوز المحيط الذي ملكن فيه والزمن الذي عشنه. بعكس ما نشاهده اليوم ونتحسسه، من أثر ممدود لمثل تلك الأحداث، أثر يتعاظم مع الأيام، ويتفاعل في الأجيال بعد الأجيال، وذلك بفضل العلم... دون ريب ولا أشكال.
أما أن تتربع امرأة على عرش المملكة المتحدة، امرأة تحبها شعوبها ذلك الحب، وتواصل هي تلك الشعوب هذه المواصلة، فهو حادث يساوي مجد ذاته... في عصر العلم، ستة آلاف سنة من التطور!
ومثل هذا في أثره، في نهضة المرأة وفي تفهم الرجل لتلك النهضة، اختيار امرأة لرئاسة الأمم المتحدة، وهي أعظم مؤسسة دولية عرفتها البشرية في تاريخها. إنه اختيار لم يكن ممكناً ولا مستساغاً لولا العلم الذي كان ولم يزل سبيل التطور والتحرر، وسبيل المساواة والتآخي الإنساني.
كانت «الخنساء» «امرأة» شاعرة،


