بعد هنيهة ... اجابت مي بصوتها الدافئ العميق :
- انتم الرجال بهاليل !
وضحكنا جميعنا ، واشرق وجه مي . وخفّ الجو الكئيب حولنا ... وتنفسـت بارتياح اجيب على اسئلة مي .. بل استنطاقها ! ...
- ألم تكن في مدرسة عينطورة عام ١٩٠٣ ؟
- بلى .
- وكان لك رفيق هو قريبي نعوم زيادة .
- تماماً .
- او ما كانت هناك مراسلات حثيثة بين نعوم وتلميذة اسمها كنار شهاب من مدرسة الراهبات المشارفة على مدرستكم ؟
وتسمّرت في مكاني مشدوهاً استمع الى مي تكمل كلامها :
- انا علمت من استقصائي الشخصي انك انت « الذي » كان يكتب رسائل قريبي نعوم الى كنار ..
- نعم ! انا بالذات !!
- فلماذا لم يخطر لك ان تحقق عن « التي » كانت تجيب على رسائلك ؟ هل حسبت كنار على تلك البلاغة والنباهة ؟ ! كان يجب ان تستنتج ، كما استنتجت انا ، بانني « انا » التي كانت تجيب على الرسائل ... ارأيت الان كيف ان الرجال بهاليل ؟ !!
بعد هذه المقدمة الطريفة والاستقبال الفريد زالت من بيننا كلها حُجُب المجاملات والرسميات ، فغدت مي تطمئن الي واطمئن اليها ، وكأنني واياها صديقان حميمان من قديم الازمان . صرت اجلس اليها الساعات نلعب « البيناكل » ، فتروح تتحدث على سجيتها بحرية ودون تكلف ، تطلق النكات والنوادر فنضحك وتتسلى ..
وفي الحين والحين تسألني مي بنبرتها المصرية الحلوة ان احدثها عن ( جُبران ) . فانتبه ان قد يكون حافزها الاول على استدعائي اليها مطلق الاستماع الى اخبار جبران من رفيق صباه في مدرسة الحكمة ، ورفيق شبابه وفنه بعد ذلك في باريس .. وكانت تصغي الي بشوق تتنازعها النشوة والحنين ، لا محاولة ان تخفي ، عني على الاقل ، تلك العاطفة البكر التي حملتها للشاعر ، والتي بقيت في اكمامها برعماً مختنقاً في عبيره ، لم يُتَح له التفتّح والفوح .
كثر زوّار مي في ذلك الاوان ، فكانت تتمهّلني وتستبقيني بعد انصراف آخرهم لنعود الى بث شجوننا ، ثم نتعاون على
عمل « شوربة البصل » ... كلانا يحبها ويأكلها بفائق شهية ! وفي هنيهات الحلوة الصافية كنت اسرق اللمحات الى رأس مي وارسمه في السر ، لانها كانت تمانع في ذلك اشد ممانعه ... ولما انتهيت من الصورة وعرضتها عليها ابتسمت راضية وقالت : « سمّها الشريطة السوداء » .
ثم انتقلت مي الى الفريكة طلباً للراحة والاستجمام بتدبير صائب من امين . وذهبت انا الى انطاكية . ولما عدت من رحلتي طلعت رأساً الى الفريكة فانبأتني خادمة الريحاني ان الاستاذ لا يقابل ، في الصباح ، احداً من الناس ! وخرج امين من غرفته الخضراء على صوت جدلنا واقبل على الخادمة ينهرها :
- ولي ... هو يوسف من الناس ! ؟ ..
واستفاقت مي على الجلبـه والضحك ، ولم يكن بيتها ببعيد عن بيت الريحاني ، ففتحت شباكها واصرت باللهجة الحازمة بان ينزل الاستاذ يوسف لعندها في الحال ! . وفي غمرة فرحها بالضيف العزيز اقفلت بابها جيداً واحضرت غداءً عامراً ... لا مهتمة ان تحرم صديقها من « غمة » الست سعدى (١) .
(١) شقيقة امين الريحاني .

