كذلك لكل من مشاهير الخياطين اسلوبه الخاص فأزياء ديور مثلاً يدهشنا ما فيها من جرأة وابتكار وتطرف ويقابل ذلك بلسان ( Balmain ) بالاعتدال والتأني وتتفرد لكونت ( Leconte ) بخلقها الفساطين المستوحاة من خطوط الساري الهندي ..
وكما ان لكل صالون اسلوبه الخاص في الابداع كذلك لكل منهم مجموعة خاصة من العارضات ( Mannequins ) فمنهن الطويلات كمجموعة جرمين لكونت والقصيرات كمجموعة ديسيه ( Dessès ) ولكل مجموعة طريقة خاصة في التنقل اثناء العرض فمن خطوات تتنقل بنفرة عصبية طريقة الى مشية خيلاء متموجة ساحرة الى سرعة في السري كأنها وميض البرق ..
على ان الجميع متفقون تقريباً على الترتيب الآتي ! تعرض اولاً التبورات ومن ثم فساطين النهار البسيطة والمعاطف الاعتيادية وتندرج الى فساطين الكوكتيل وزهوها ففساطين السهرة البراقة وفخامتها وينتهي العرض عادة بفسطان العروس ..
ولكل فسطان اسمه ورقمه يعلن عنه حين دخول العارضة قاعة الصالون ولهذه الاسماء روعة خاصة اذ انها تلمح الى عاطفة الفنان حين خلقها ولعلها تكشف عن الماضي البعيد الذي استوحى منه واليك نماذج من هذه الاسماء :
Coquette Trianon, Versailles
ومن اطرف ما رأيت في هذا الباب عرض لفات ( Fath ) القى فيه على مجموعة فساطينه اسماء مشاهير الادباء والشعراء الاحياء والاموات من Musset الى Claudel ومن Hugo الى Sartre وكأنما ضاق ذرعاً بإيجاد اسماء جديدة لا يبتكاره الحصب فغرف مما في فرنسا من التراث الادبي وألحقه بترانه الفني .
ولكل عرض نقطة ارتكاز يدور حولها وموضوع اساسي تتفرع عنه شعب متعددة تمت له بصلة وثيقة فكما ان في القطعة الموسيقية نغماً اساسياً تعود اليه جميع الانغام الفرعية كذلك كل عرض للأزياء في هذه الصالونات قطعة فنية رائعة مؤلفة تأليفاً منظماً تنم عن العقل الفرنسي المنطقي وعن ارهاف الحس في كيان موجدها .
ومن خصائص هذا الفن الحديث التبديل المستمر بالخطوط والالوان والاتجاهات فلا يكاد يضي موسم على آخر فسطان لبسته السيدة العصرية الا ونشعر بانها قد تخلفت عن قافلة الأزياء الجديدة فهي ابدأ في سباق مستمر مع الموضة، اذ ان المدنية الحديثة مع ما فيها من سرعة المواصلات واساليب العيش العصري والحركة الدائمة الفردية والجماعية قد لعبت دورها في زي المرأة ؛ فبعد ان كانت الأزياء في القرون الوسطى
وقبلها تستغرق العشرات من السنين لكي تنتقل وتبدل أصبح بمقدورنا اليوم ان ننقلها بساعات معدودة على « بساط الريح » او من خلال « مرآة نصف الدنيا » .
ولو ألقينا نظرة على تطور الأزياء منذ سنة ١٩٤٦ يوم ابدأ ديور ( Dior ) الشكل الجديد ( The New Look ) لوجدنا ان الموضة النسائية قد تبدلت خلال العشر سنوات الأخيرة اربع او خمس مرات فمن « الشكل الجديد » الى تقصير في الثوب الى خط « اللوبياء » ( haricot vert ) الى خط حرف ال ( H ) الى خط ال ( Princesse ) الى خط ال ( A ) الخ .
ويمكننا القول بان ديور ( Dior ) هو زعيم حركة الابداع فشهرته عالمية وهو بلا منازع ديكتاتور الزي النسائي في العالم .. وقد تثور عليه احياناً بعض البيئات من خياطين وزبائن ويرفضون اتباع خطوطه المتطرفة ولكنهم في النهاية يرضخون لسلطان عصاه السحرية ..
وبالرغم من هذا التبدل السريع الذي نراه في الأزياء الحديثة فان لفن الخياطة في باريس ميزات ينفرد بها دون سواه من انتاج العالم في هذا الباب . فالاناقة الخفية التي تلمح لحماً والتأني في امتزاج الالوان وتلك المسحة الكلاسيكية من حيث استهداف الجمال الكامل ؛ وعلى حد تعبير الفرنسيين انفسهم « ذلك الشيء الخفي الذي تتميز به الخياطة الفرنسية » . كل هذه من ملامح هذا الفن العريق الذي تفردت به فرنسا على مر الأجيال ..
