عندما نتكلم عن الأميرة حُبوس أرسلان، يُخيل الينا اننا راجعون الى عهد ناءٍ في الظلم، سحيق في القدم، لا يماثل فترة وجيزة، هي مئة وثلاثون سنة فقط، تفصلنا واياها، وما ذلك الا لبعد الشقة بين منهج الحياة التي تزعمتها بطلة حديثنا؛ وبين مطالب العيش التي نواجهها في ايامنا الحاضرة.
وما يضاعف هذا التباعد، رغم حداثة العهد، هو ان المعلومات التي تبقت لدينا عنها، هي من الضآلة والهزال ما يكفي لرواية الاحاديث دون ارواء تفاصيلها مما لا يتيح لنا النفاذ الى صميم هذه الشخصية كما لو عايشناها تماماً، الا ان الضرورة تكفينا بالاشراف على مآتيها فقط؛ ولنا في ذلك من كتاب اميرات لبنان للبستاني اقرب سبيل وخير دليل.
كانت تعرف عند الخاصة والعامة
بالست حبوس، صاحبة امارة الغرب وتعني هذه الامارة جميع المرتفعات التي تطل على مدينة بيروت. ورثتها عن زوجها الامير عباس بن فخر الدين الأرسلاني واستأثرت بعد موته بالوصاية على اولادهما الذكور الاربعة القاصرين، مبرهنة اذ ذاك عن جميع مؤهلات اي امير اجتمعت في شخصه مصائر الرعايا الخاضعين له في جميع مرافق حياتهم السياسية والاقتصادية.
ولم يفت الامير بشير الشهابي الكبير، حذق هذه السياسية الضليعة، وكانت اذ ذاك لم يزل في بداءة عهده بالولاية على لبنان؛ فعمل على اعلاه شأنها وعينها حاكمة مطلقة على اقطاعتها؛ فتحملت جميع التبعات التي يستهدفها هذا المنصب الرفيع.
وكان للامير في ذلك خدمة لمصلحته
غير مباشرة، استشفت من خلالها الأميرة سياسة متباينة الظواهر والاشكال، فترينها طوراً داعية مجاهرة، وتارة متآمرة خفرة، الى محاربة مخاطرة، او سفيرة مغامرة، فهي تنتقل بين هذه الادوار السياسية الشتى، لا يعنيها منها شيء سوى القيام بمصلحتها المتجسمة بمصلحة الامير بشير والتي تمخضت اول شأنها عن متاعب جسيمة كانت له فيها خير معوان ونصير الى ان قبض لهذه المجاهدة ان تختم ايامها ضحية ولايته السنية وقد ناهزت مجدها وشامخ عنفوانها.
اما وقد اجتمع هذان الحليفان عن طريق واسطة هي الشيخ بشير جنبلاط، وزير الامير، الذي كان على ما يظهر ذا مكانة عند الاميرة حتى انها كانت تستشيره في كل ما تقدم عليه مع الامير. وعليه، حيث انه لم تمض سنة على تعيين الامير لها حاكمة على الغرب، الا ودعاها الامر ان تفي معروف الامير اضعافاً؛ لما نزلت بالبشير من المحنة وقبض عليهما الجزار مع ثالث هو اخ الامير، واودعهم قلعة عكا كرهائن جزية عجز الامير عن ادائها لاحد آغاوات العساكر.
وفي هذه الاثناء كانت الست حبوس تقوم باحتياجات عيال المسجونين غير


