منقطعة عن استمالة الشعب الى الامير المخلوع ، محرضة اياهم للتحزب له دون من خلفه ، مفسرة بأن الدولة ليست سوى عصبية وايمان وتعاون .
لكن لا الدعوة في البيئة ولا الاغاثة المحلية كفيلتان لان تردا المخاطر او تحولا الاحداث . ولم يبق لها الا ان تتصدى للامر من الوجهة الايجابية فترهن حلاها ، او تتظاهر بذلك ، كما اشار اليها سراً الشيخ بشير من السجن ، ثم ان تحضر المبلغ بنفسها الى الجزار ، والا فكيف الخلاص من جزية وقد استحالت فدية دم ومصير دولة ؟
والتقت احمد باشا الجزار في عكا ، على تربته وفي وطنه ، ولم تخرج من هذا اللقاء الا بعد ان ساومت على المبلغ المطلوب ، وخفضت الجزية المفروضة ، وحققت مع ذلك للامير رجعته الكريمة بين الخيل والاتباع ، والخلع والسلاح .
ولم تكن تلك نكبة الامير الوحيدة التي استبسلت فيها حبوس ارسلان شأنها في ذلك شأن السياسة الاقطاعية تؤرجحها شبكة من الدويلات وكتلة من الولاة المتربصين . حيث ان الحوار قد انتقل مرة ثانية الى عبدالله باشا والي عكا الجديد ؛ وبالامير منفي الى حوران ، وبالست حبوس تقاوم من اجله ؛ لكن هذه المرة لم يلبث ان استرضى الامير الباشا متناسياً ما قد سببه له من انقلاب الكسروانيين عليه ؛ الامر الذي اضطره الى القرار - وكان من جراء هذا الاسترضاء ان وقعت الواقعة بين البشيرين وانحازت فيها بعد الست حبوس الى جانب الوزير دون الامير ، ومن حينها اخذ نجمها بالافول ، بالرغم من ان الامير ذاق نفياً ثالثاً الى
مصر ؛ دبر في غضونه محالفة مع محمد علي باشا ، لم يلبث ان عاد على أثرها الى لبنان وهمه الاول ان يتخلص من عدويه بشير وحبوس .
ودارت بين الفريقين معارك دامية ؛ منها ثورة المشايخ والامراء التي عرفت بحركة المختارة والتي كان محورها انضمام الاميرة حبوس الى الشيخ بشير لم تلبث الحال الى ان اسفر عن هزيمة هذا الاخير ثم اسره في الشام ثم مقتله في عكا .
اما هي فقد سلخ عنها الامير اقطاعتها وسلمها لابنها الامير احمد ، وقد ابلى معه احسن البلاء . وفي معمعان هذه السياسة التي لا تعرف آصرة دم او رابطة صداقة ، صمدت في ميدانها الفاتر حتى آخر سهم بقي في كنانتها .
لجأت الى بشامون على مقربة من الشويفات مكان ولادتها ، ولها من العمر ثمانية وخمسون عاماً ، آملة ان تعتزل
السياسة ، لكن شدة ما لصداقتها من حرارة ولعداوتها من مرارة ، لم يدعها القدر تختم أيامها سالمة ، فالى تلك الربى المنخفضة لاحقها رجال الامير وشددوا في التضييق عليها الى ان عمدت الى التنكر وولت هاربة .
ولم تلبث هذه الشاردة في عدوها الى ان خرت ميتة الى الارض . اسقطت مرمية بالرصاص ؟ ام اعياء وقهراً ؟ ام مخنوقة في قصرها وما لحكاية الهرب من طائل ؟
ومهما يكن من اختلاف المؤرخين في موتها ، الا ان شيئاً واحداً بقي ثابتاً لنا وهو انها اخلصت لسياسة لم تخلص لها ، فقضت باداتها التي طالما تمرست بها . وكما كانت تذود عن الشرف الرفيع من الاذى كذلك فهي تجود حين اريق على جوانبه الدم .

