

سمعت عنها الكثير في صغري، حدثتنا عنها والدتي مراراً وروت على مسامعنا أخباراً طريفة تكاد لا تصدق. ولدت عليا في بلدة حاصبيا من جنوبي لبنان ١٨٤٢ من والدين تقيين هما الشيخ يوسف فرنسيس وشاهينة يمين. كان والدها وجيهاً وبطلاً كبيراً تعلم الفروسية مع أولاد الأمير بشير الكبير، واشتهر بشجاعته وإقدامه وكرمه. ترعرع أولاده وشبوا على غراره من حيث الشجاعة والإقدام والكرم وحب الخير. ولم تكن عليا تقل عن إخوتها فروسية وإقداماً. فاقتبست من والدها فن ركوب الخيل واستعمال السيف والبندقية بمهارة فائقة. كانت تركب جوادها وتلبس العباءة والعقال وتأخذ أسلحتها في أسفارها وتسافر ليلاً ونهاراً غير مكترثة بالأخطار والأعداء. ترعرعت في بيت وجيه كان مقصداً للقوي والضعيف، يأتونه من كل حدب وصوب عارضين مشاكلهم شاكين ظلمهم. كم أمير جاء للاستشارة وزعيم لأخذ رأي وضعيف للمساعدة. غير أن العيش الرغيد والبحبوحة والجاه
لم تخلقا في عليا إلا روحاً متواضعة. فأحبت الفقير كالغني، والضعيف كالقوي، وعاشت مع الكبير والصغير على السواء.
شبت عليا ووجدت أبناء وطنها منقسمين شيعاً وأحزاباً إذ طغى عليهم الجهل وتغلغل في نفوسهم الفساد، فكان البؤس والشقاء وكان الظلم والهول. نفوس بريئة ذهبت ضحية الظروف والأوضاع. أما عليا، وقد آلمها حال قومها وأبناء وطنها الذين أحبتهم حبها للحياة، فعزمت أن تقاوم الظلم وتقف في وجه الشقاء، فنفحت في بني قومها نفساً من روحها المتوقدة إخلاصاً وإيماناً وحباً، وأحيت في نفوسهم ثقة وإيماناً بالخير، فلاح في سماء نفسها الصافية بارقة من الأمل والرجاء في إنقاذ أهلها من الظلم. من أجل هذا قادت فرقاً من الرجال وخاضت معارك عديدة كانت في جميعها مثالاً للبطولة والإقدام والشهامة.
لم تعرف عليا في مواقفها الحربية فقط بل كانت كأفراد عائلتها، تعرف بشجاعتها وجرأتها. ومن ظريف القصص والأحاديث التي ما زالت تروى حتى اليوم يُستدل ما كان لأفراد عائلة فرنسيس من الجرأة، والمقام الرفيع بين معاصريهم. يروى أن رضا الصلح عقد اجتماعاً قبيل الحرب الكونية الأولى في طمره، مزرعة له في الجنوب، ودعا إليه وجهاء
تلك المنطقة. وصادف أن أعلنت الحرب بعد أشهر قليلة من ذلك الاجتماع. وما إن وقعت الحرب حتى استغل خصوم رضا الصلح الموقف فوشوا به إلى جمال باشا مدعين أن رضا الصلح عقد اجتماعاً سياسياً حرض فيه على الثورة. وفي الحال كلف بطرس كرامه للتحقيق في الأمر فاستجوب وجهاء تلك المنطقة، فأنكروا جميعاً حضور ذلك الاجتماع ما عدا سليم فرنسيس، شقيق عليا، الذي اعترف وقال، إن رضا الصلح صديق العائلة، وإني ذهبت لزيارته. فأرسل ملف التحقيق إلى عاليه وعلى الأثر طلب جميع الوجهاء الذين استجوبوا إلى المجلس العرفي ما عدا سليم فرنسيس الذي كان له من جرأته نصير في هذا الموقف.
وهاكم مثالاً آخر يدل على ما كان لعليا من الصراحة والجرأة في المواقف الخطيرة.
في زيارة خاطفة مر جمال باشا الصغير ومحمد علي بك، والميرلاي ضيا بك إلى بيت الشيخ يوسف فرنسيس، فأبدى محمد علي بك رغبة في التعرف على عليا، صديقة والدته من آل العرقاوية. وما إن دخلت عليا قاعة الاستقبال حتى تقدم علي بك ولم يدها فحذا الباشا حذوه. ثم أخذت تحدثهم بطريف الأحاديث، وكانت محدثة لبقة، فذكرت لجمال باشا بجرأة وإخلاص،
