أن جلالة مولانا السلطان قد اخطأ الظن برضا الصلح ، فأن رضا وابنه رياض من خيرة رجال البلاد . » فلم يجرأ محمد علي بك ان يترجم ذلك لجمال باشا ، لان حرية القول لم تكن مباحة في تلك الايام . غير ان الباشا اصر ان يترجم له ما قالته عليا ، فكانت له ما اراد . فهز رأسه وقال ، انا من رايك في ذلك . » واعجب بجرأتها .
كانت عليا نحافظ على حقوق الضعيف ونثور على القوي اذا ظلم .
يحكى انه عند فجر احد الايام ركبت عليا فرسها واتجهت لتحضر سوق الحان قرب حاصبيا . وعندما وصلت إلى منتصف الطريق رأت عدداً من المكارين متربصين بتلك النقطة منتظرين طلوع الشمس حذراً من اعتداء شقي شهير كان يربط الطريق ويسلب المارة اموالهم . فلما شاهد هؤلاء المكارين عليا ، طلبوا اليها ان يرافقوها خوفاً من الشقي المذكور ، فمشوا جميعهم برفقتها مستنجدين امينين ، وما ان وصلوا إلى عين الهرماس حتى اعترضهم ذلك الشقي واراد سلبهم ، فانتهرته عليا ، وما ان سمع صوتها ووقعت عيناه عليها حتى تقدم منها وقبل ركبتها قائلاً ، وحياة راسك ، لولاك لكنت جردتهم من ثيابهم ، ولكن بوجوك بطلت المراجل ، » ثم تركهم ومضى .
وكم كانت تمديد المساعدة لمن هم بحاجة إلى معونتها ونجدتها . وكم كانت تقوم باعمال الخير والبطولة متخفية متنكرة . روى القس بطرس بصبوص المعادي ، صاحب المواقف الشهيرة في مرجعيون عن لسان الضابط فارس نمر القهوجي : فقال ، « كنت يوماً بمهمة لجهات الولاية ، ولما وصلت إلى قرب نهر الليطاني اردت ان اختصر الطريق واقطع النهر ، وكنت اجهل قوة مياهه .
وما ان نزلت إلى النهر حتى أخذت المياه تقذفني مع تيارها . وكانت المياه غزيرة بفصل الربيع ، وبينما انا مشرف على الغرق مع جوادي اذا بفارس مغوار مسرع نحوي ومد لي طرف رمحه فتمسكت به ، واخذ يجذبني إلى ان خرجت إلى اليابسة ، فشكرت للفارس معروفه واحببت التعرف على من نجاني من موت محتم ، لكن الفارس ظل متكتماً ، ثم تركني ومضى . ولما ابتعد عني استفسرت من رعيان الماشية الذين صدف ان كانوا هناك فاجابوني ان هذا الفارس هو عليا فرنسيس ! فكم كانت دهشتي وكم اعجبت بنظرها وبقدرتها .
وجاء يوماً بعض فرسان البادية لزيارة الشيخ يوسف فرنسيس وطلبوا إليه ان يتباروا واياه بضرب السيف لان شهرته بالفروسية كانت قد تغلغلت في البادية . فلم يرفض لهم هذا الطلب ولكن احب ان نباريهم ابنته عليا ، فوضع امامها كأسين من الماء ووضع عليها عصا رفيعة وامرها ان تضرب العصا فضربتها عليا وقطعتها دون ان يقع القدحان . ثم قامت بالعاب اخرى بالسيف ادهشت فرسان البادية وجميع المتفرجين . لقبت عليا ببطلة لبنان وجان دارك الشرق . ولم تكن لتثور في حياتها الا لتدافع عن الحق والعدالة . فاحترمها الجميع وملكت قلوبهم .
وان كانت حياتها ملأى بمواقف ومآثر حربية غير انها كانت تقية متعبدة ، تحترم رجال الدين وتعطف عليهم على اختلاف مذاهبهم . وكانت تهتم كل الاهتمام بتشييد الكنائس واعانة الجوامع والمقامات . فما من كنيسة في بلدة احتاجت إلى معونة الا ووضعت عليا وعائلتها حجر الزاوية . وهكذا كانت تقدم سنوياً اسعافاً لجامع بانياس ولبعض
المقامات الاسلامية في الحولة ، كما كانت تمديد المساعدة إلى المشايخ المحتاجين .. مع شدة تقواها وتديتها ، كان تساهلها وتساهل عائلتها الديني يفرض الاحترام من جميع الطوائف . كانت تؤمن أن ابناء هذا الجبل اخوان فحق عليهم ان يعيشوا بوفاق واخاء .
احبت عليا ابناء منطقتها مرجعيون حباً شديداً ، وعملت لخيرهم ووفاقهم ، فكانت تكره المنازعات وتسعى بكل قواها لازالة كل خصام بواسطة نفوذها وكلمتها المسموعة . وكثيراً ما اخمدت نار الفتنة بين امراء آل فاعور الذين كانوا يؤمنون بصداقتها واخلاصها ، فيستشيرونها عند الشدائد والملمات .
وفي تقواها كانت عليا رسول خير للبؤساء والفقراء والمرضى ، تواسي الانسانية وتمد الفقراء بالمال . وقد وزعت القسم الأكبر من ربع املاكها على المحتاجين ، كما انها كانت تعالج المرضى الذين كانوا يتوافدون إلى بيتها ، فكانت تستقبلهم وتضيفهم اياماً واسابيع وتعالجهم مجاناً . فهي الطبيب الجراح ، تعمل العمليات المختلفة ، كسحب الرصاص من الجروح ، وضمد البثور وغير ذلك .
وبعد سنين كلها جهاد وبطولة التجأت عليا إلى حياة السكينة وإلى التأملات والصلوات . وفي سنة ١٩٢٠ جاءت إلى بيروت حيث استقبلت بكل اجلال وتكريم . قضت سنيها الاخيرة في العاصمة حيث كان كبار رجال البلاد من حكام وامراء ، يزورونها احتراماً لشخصيتها الكبيرة واعترافاً بما قامت به من اعمال وامجاد تعتز بها البلاد . وتوفيت سنة ١٩٢٣ تاركة بعدها ذكراً لا تمحوه الاجيال .
