يواجهون مواقف كهذه . والسبب في غاية البساطة فاني اتولى الاشراف عليهم بنفسي ، ولا احبذ قط ان يعهد بمثل هذه الامور الدقيقة الى الخدم والمربيات .
وأجبتها مؤيدة :
حسناً تفعلين . ولكن بربك أخبريني ماذا تفعلين اذا اضطرت احدى الامسيات الى مغادرة البيت تلبية لدعوة ما وذلك قبل موعد نوم الصغار ؟ فابتسمت قائلة : إن رائدي في تربيتي اولادي الصدق والصراحة الى اقصى الحدود الممكنة فاذا كان يتوجب علي ان ابرح المنزل في ظروف مماثلة احيطهم علماً بذلك . وكان هذا في الماضي يدفعهم الى البكاء والاحتجاج ولكن بضع دمعات يذرفونها لأسهل عندي بكثير من ضياع ثقتهم بي فيما لو عمدت الى الكذب والتضليل ولجأت الى خداعهم ببعض الروايات الملفقة كما يفعل بعض الاهل وللاسف . قد يظن هؤلاء ان من الرأفة بالصغير ان يؤكدوا له انهم على مقربة منه في الحجرة المجاورة ثم يسترقون الخطى الى الخارج بعد ان ينام الطفل . ويحدث احياناً ان يصحو اثناء تغيبهم فينفجر باكياً ويعدو مذعوراً في ارجاء الغرفة وقد شق عليه ان يسخر منه والداه باكاذيبها وحيلهما . وقد يشب الطفل ويترعرع وهو لا يزال ناقماً على تصرفاتها ، متأثراً بذكريات الماضي .
كل هذا سردته صديقتي وانا لا ازال ازداد اعجاباً بمصافاتها وحسن تفهمها نفسية الطفل الحساسة ، وبراعتها في تمسكها بمقاليد اموره .
ورغبت في ان اطرح عليها سؤالاً اخيراً : هل توافقين على الحماية الزائدة للطفل ؟ فاجابتني بهدوء واتزان : هناك يا عزيزتي اختلاف بيّن في حساسية الاطفال الفطرية إزاء البرودة والحرارة والصوت والضوء وألوان الغذاء والمواقف الانفعالية . ومع هذا فإن الطفل العادي اذا احسن تدريبه وتعويده على ساعات منتظمة للنوم والطعام ، واذا كان نظام حياته العام لا يعتمد على اهواء الكبار ، لم يعد في حاجة الى اي لون من الوان الحماية في مكان نومه . ذلك لانه من السهل على الصغير ان يعتاد الاستغراق في النوم برغم الاصوات والانوار وغيرها من العوامل . ومن
المعلوم ان الاحتياطات الزائدة التي يتخذها بعض الاهل لتهيئة احسن الظروف للطفل ، أكان ذلك من ناحية التغطية الزائدة ، او الهدوء التام ، او الظلام الدامس ، يسبب زيادة حساسيته وشدة ارهافه في مقتبل ايامه . هذا ويجب الا تتهاون في تعويد الطفل ان ينام وحيداً بعد عامه الثاني . فليس ثمة ما يبرر بعد هذه المرحلة من العمر في ان ينام الطفل في حجرة والديه . واذا افلح ذووه في غرس هذه العادات فيه منذ نعومة اظفاره اعتبر عملهم هذا ، بلا ريب نصراً ملحوظاً في ترويض نزوات الطفل وتوجيهه وجهة طيبة نحو الاستقلال الذاتي والاعتماد على النفس .

