لا تزال البلاد العربية في دور التكوين تتلمس طريقها لتتعرف الى حقيقة نفسها وتفرض مبرراً لوجودها في عالم المدنية الحديث . فهي بحاجة ماسة الى الارشاد الواعي والتوجيه الصحيح لتبني الأسس المتينة التي يرتكز عليها كيان الامة العصرية . وحديث السيدة نجلا عقراوي عن المواطن الصالح ، انما هو حديث سيدة مخلصة واعية ، استوحته من خبرتها واطلاعها ابان سفرها ومقامها في البلدان العربية الراقية - وهو بالتالي رسالة ثمينة الى مواطنيها العرب في كل مكان ..
بما لا ريب فيه ان حجر الاساس في بناء الامة هو تربية النشء وتوجيهه ليكون مواطناً صالحا في مجتمعه الحاضر والمقبل .
اما المؤسسات التي تقوم بهذه المهمة الجبارة فهي البيت ، والمدرسة ، والمؤسسات الدينية ، والدولة . والمؤسسات الاجتماعية ونوعية المواطنين تتوقف حتما على ما تقوم به كل هذه الوحدات منفردة ومتعاونة من واجبها في تنمية النشء وتوجيهه ، فما هي اذا أسس هذه التربية التي نريدها وما هي عناصرها الفعالة ؟
التربية الخلقية الروحية التي يترعرع فيها الطفل منذ نعومة اظفاره في البيت او في المدرسة ومثل دينه العليا تقرر القسم الاهم من شخصيته وتعده ليحتل مكانه الايجابي او السلبي في بيئته الحاضرة والمقبلة . وقد اصبح من المعترف به ان تلك التربية لا تتم على اكملها الا اذا رافق التلقين النظري المثال العملي الحسي . اي بكلمة اخرى لا يكفي ان نعظ الطفل بالمحبة والتسامح والصدق بل علينا ان نتحلى بهذه الصفات السامية التي نريدها فيه . اذ ان الطفل يقلد قبل ان يصغي ويتأثر بشخصية مربيه اضعاف ما يتأثر بالعظات النظرية البعيدة عن حياته العملية .
وترافق هذه التربية الروحية التربية الفكرية اي تنمية التفكير العلمي المنطقي التي تعنى بها معاهد العلم في البلاد الراقية اذ لا يكفي ان نقدم للطلاب مجموعة من المعلومات المستحضرة الجاهزة بل علينا ان نعوده على التفكير العلمي - على التمييز بين الصالح والطالح ، بين الحقيقي والخرافي ، بين الواقعي والخيالي ، بين الممكن والمستحيل - وعلينا فوق هذا كله ان نعوده على التمييز بين القيم المختلفة ودرجاتها ليكون انتخابه حكيما صالحاً موفراً .. وما أتعس البلاد التي كثر فيها مواطنون
يعيشون في جو عكر من الاوهام يتمسكون بها ولا يميزون بين ما يُنقل على سبيل الرواية وما يبشر به كرسالة ، بين الدعاية والواقع ، بين العاطفة الهوجاء والعقل المميز الرادع .. وتقدمنا في سلم الحضارة متوقف الى حد بعيد على ما تقوم به مدارسنا من واجبها في هذا المضمار . والمدرسة التي تهمل التربية العلمية والتفكير المنطقي على حساب العاطفة الوطنية السطحية تهمل الهدف الاول الذي وجدت من اجله .
إذ من الضروري ان نربي اولادنا على حب الوطن وخدمته ولكن الأهم من ذلك هو ان نربي فيهم الخلق الروحي الشامل والتفكير العلمي السليم - سلاحين فعالين في خدمة الوطن . ولنا من محنة فلسطين درس يؤلم في هذا المضمار فقد غضبنا وهجنا وشتمنا وتأثرت عواطفنا الوطنية ، ولكننا لم نواجه المحنة بالعقل الواعي المميز فكانت تلك المأساة وما جرت وراءها من المصائب والويلات .
ولعل قائلا يقول : ان بعض الشعوب الراقية تقصر في انتاج المواطن الصالح بالرغم من كون معاهدها التعليمية راقية ، وبالرغم من وجود جمهور العلماء المفكرين ، وبالرغم من التربية الخلقية المثالية . وعلى ذلك اجيب بان هنالك عاملا اخر لانتاج المواطن الصالح وهو توجيه التربية توجيهاً عملياً جنباً الى جنب مع تلك المثالية الاساسية . اذ لا يكفي ان نعلم الرياضيات والفلسفة والمنطق والدين بل علينا ايضاً ان نوجه اولادنا توجيهاً عملياً ليستغلوا محيطهم المادي الى اقصى حد ممكن . فالعناية الصحية والتغذية الصالحة والنظافة الضرورية والتمرين الجسدي من الامور الاساسية التي لا يستغنى عنها في تربية النشء الصالح ، كما ان التكييف العملي وتعليم الصناعات اليدوية وبعض الكفاءات المهنية من مقومات المجتمع الناجح . واذا اضفنا الى ذلك الشعور بالمسؤولية والواجب القومي واحترام النفس والشرائع ، تكونت عندنا صورة شاملة للنواحي التي يجب ان نعيرها اهتمامنا .
على ان هذه الامور كلها لا تتم ما لم تقم الدولة بواجبها من تأمين الحد الادنى من الكفء الاقتصادي والعدل الاجتماعي والامن الضروري والشرائع التي تحمي العامل واليتيم والمقعد . والحكومة التي تحترم نفسها وتمثل الامة بكاملها وتتمسك بأسس العدالة الصحية تفرض احترامها على افراد الشعب وتساهم الى حد بعيد بقسطها في إنشاء المواطن الصالح .

