غوريو » لبلزاك ثم شحّحت القنديل واستسلمت الى النوم. وكان جبران كلما قام للغرغرة حسب اشارة الطبيب، قال لي: خوفي ان تكون بردان يا يوسف. معطفي داخل الخزانة. فاجيبه:
- « انا نائم بشبابي « والملائكة » حولي فلا ابرد !
عند الصباح اشعلت آلة « السبيرتو » لغلي الماء وحضّرت الشاي والحليب، وكان جبران منهوكاً اعياءً انما تمكن من شرب فنجان شاي مع قليل من البسكوت والمرّبى. وبقي في الفراش لكنه لم يستغرق في السكوت شأنه في الامس، وراح يجلل سرّ الحياة والموت ويداعبني:
- لو مت مساء البارحة ماذا كنت عملت يا يوسف ؟
- كنت لحقت بك.. والان بلا حكي.. الحكي يؤذي بلاعيمك !!
- والداك يا يوسف ما زالوا احياء، وكذلك اخوتك، اما انا فقد توفيت والدتي وشقيقي، واخي ولا اعلم ماذا حلّ بوالدي. » وغصّ صوته تأثراً وبعد قليل استأنف القول:
- انا ولا ريب سأموت قبلك يا يوسف. ارجوك من الان ان تضع على قبري اسداً ناهضا يزجر !
- وانا ارجوك يا جبران ان تسكت الان. بلا موت ولا قبر ولا اسد ...
وسمعنا دقة روزينه على الباب فلاقيتها واطلعتها على حالة جبران معتذراً عن عدم تمكننا من العمل، محاولا ان ادفع لها الفرنكين والنصف، لكنها ابت ومانعت بنزق - « قلت لك مراراً انك لست رودان اين هو المسيو جبران ؟ » وتقدمت نحوه، وكأم حنونة جسّت جبينه والتفتت اليّ تسألني بلهفة:
- « من يعتني به ويغسل ثيابه ؟ »
- « البوابة ! »
فهزت كتفيها ورأسها في عدم رضى وسألت:
- اين وجه المخذة والقمصان والكلسات والمحارم ؟
وقامت من تلقاء نفسها الى الخزانة تفتحها وتفحص الثياب
وتجمع منها ما تراءى لها انها بحاجة الى الغسيل، دون ان تعير اي انتباه لمحاولتي منعها او لاعتراض جبران من بعيد ... وبعد ما غيّرت وجه المخذة كأنها وحدها الآمرة الناهية، لفتّ الثياب على شكل بقجة، وضعتها تحت ابطها وقالت وهي تفتح الباب:
- « سأعود غداً » -
*
التفت اليّ جبران والحيرة بادية على وجهه، وكأن المرض سمح للشك ان يتسرّب الى العينين الحالمتين:
- هل تظنها تعود يا يوسف. لقد أخذت القمصان والكلسات ! هل انت امين منها ؟ هل تعرف عنوانها على الاقل ؟
- هوّن عليك يا جبران. انا امين من روزينه كامنتي من اختي الراهبة وعنوانها اعرفه هنا وفي ايطاليا ... ثم اخبرته عن تسلمي الخمسمئة فرنك ثمن اللوحة وانني على موعد مع كلمي لتسليمه اللوحة الثانية ! فارتسمت الطمأنينة على ملامح جبران واستوى في جلسته قائلاً:
- انا جوعان يا يوسف، احضر لي معك شيئاً للاكل من مطعم مدام «بوده» نخاعات اذا امكن !

تركها جبران تقبله دون ان يجرأ على اعادة القبلة !
مع المساء تحسنت حالة جبران واصرّ على عمل نزهة على ان يلفّ عنقه بمنديل فسرنا الهوينا معاً الى جانب على ضفة نهر السين نشاهد الرسوم والكتب المعروضة ونعلق على كل ما يحلو لنا التعليق عليه.
وفي الغد جاءت روزينه حاملة « البقجة » وفيها القمصان والكلسات والمحارم ووجه المخذة - كلها مكوية مهففة تفوح منها رائحة ورق الغار !
وجلسنا نكمل صورة المحمولة على اذرع الملائكة، وجبران كعادته، يفكر بصوت عال ... وراح يجلل طبيعة المرأة قال: « احبها مزيجاً من بياتريس ومسالين، ولكن الطامة الكبرى يا يوسف اذ تكون المرأة جميلة، فجعلها بالذات يكون سبباً لعدم الاطمئنان ... واذا لم تكن جميلة ؟.. واذا لم تكن
( البقية في الصفحة ٣٠ )
٩