الرتيب الذي يجتاح المجتمعات الحديثة .
س - والشعر العربي ، اين هو من هذا كله . هل تلمس فيه اتجاهاً جديداً يبشر بالخير ؟
ج - الشعر العربي ما يزال وراء الشعر العالمي المعاصر بنصف قرن . فهو الذي قد توقف عند الحركة الرومنطقية التي سادت اوروبا في القرن الماضي وعند الحركة الرمزية التصويرية التي نشأت في فرنسا مع البير سامان وملارمة وفيرلين . على اني المس اتجاهاً جديداً ابرز ما يكون في العراق . وهو متأثر بالتيار الحديث الذي اطلقه ت . اس . اليوت منذ ربع قرن . وهو ككل حركة جديدة لا تخلو من نقائص ، كما انها لا تسلم من العراقيل . اما النقائص فتنعكس في خلو الحركة من مواهب شعرية فذة تخرج بها من طور القلق والحيرة الى طور التمركز والاستقرار والتجربة العميقة الاصيلة . اما العراقيل فمنشأها صعوبة تطويع قواعد اللغة العربية الفصيحة وترويضها على التعبير الحياتي الكياني العميق ، وعناد اوزان الخليل ومقاومتها لتحطيم وحدة البيت الواحد والاستعاضة بوحدة القصيدة .
س - هل لهذا الاتجاه الجديد مثاوون بين شعراء لبنان ؟ وهل هو اتجاه صحيح مكتوب له النجاح ؟
ج - نعم . واظن ان هذا الاتجاه يسير في طريق النجاح . وهو مكتوب
له ان يسود الشعر العربي في السنوات العشر القادمة . ذلك انه يعكس التوق الى التفلت من قيود الاسلوب الشعري القديم والتعبير عن التجربة الانسانية بواقعية واصالة . الد اعدائها ما يتصف به الشعر العربي حتى هذا التاريخ من نزعة خطابية شكلية رومنطيقية جوفاء . وانني اعتقد ان هذا الاتجاه مبارك من حيث انه مرحلة لا بد منها ضمن اطار القواعد العربية الفصيحة للتوصل الى المرحلة الصادقة المنشودة وهي مجاراة هذه القواعد للتطور الذي اجرته الحياة على لسان الشعب .
س - يقال انك منصرف هذه الايام الى العمل على انتاج شعري كبير فهل لنا ان نعرف موضوعه ؟ وهل هو وفق اسلوبك الشعري الذي عرفناه في «هيروديا» مثلا ام اهتديت به الى اسلوب جديد ؟
ج - ما يقال صحيح . انما اسمحي لي ان لا افضي لك بالموضوع الان . يكفي ان اقول انه يدور حول ملحمة سومرية قديمة سبقت الالياذة بالف وخمسمائة سنة على الاقل . وهذه الملحمة القديمة هي من ابرز الروائع الادبية في كل العصور وكل الامم .
اما الاسلوب الذي جريت عليه في نظمها فيختلف عن اسلوبي المعروف من حيث تحرره من القافية ، ووحدة البيت الشعري والنزعة الخطابية الشكلية القائمة على وصف الشعوب والمترادفات
والاكثار من حروف العطف وسائر الروابط البيانية التي من شأنها الحؤول دون وقوف المعنى مباشرة امام العقل .
س - لدي الان سؤال شخصي لا بد انه يجول في اذهان الكثيرين من معارفك . وهو يتعلق بعودتك الى لبنان رغم النجاح المادي والمعنوي الذي احرزته . اتريد ان تذكر لنا السبب الذي حملك على العودة ؟
ج - بكل سرور . السبب بسيط . لم اجد هناك التربة التي يتاح لي فيها تحقيق ذاتي اي ان اكون انا نفسي بكل ما فيها من احلام وآمال ورغبة في الخلق . الانسان كائن عاقل ، فلا يكفي لسعادته المحيط المادي مهما كان زاخراً بالبركات . انه بحاجة ماسة الى الاستقرار والتركيز في بيئته التراثية والتفاعل معها . ومن هنا نرى ان الجماعات المهاجرة تحرص في مدار جيل او جيلين ، على التكتل في ديار هجرتها كأنما هي تحاول نقل الوطن القديم الى وطنها الجديد .
س - كنت عازمة على التطرق الى نواح اخرى تتصل بخبرتك في الامم المتحدة ، ورأيك في المرأة الاميركية والرجل الاميركي ، ومكانة الصحافة العربية في المهجر .. وربما تتصل ايضاً بالادب المهجري . الا ان المجال يضيق بذلك . فالى مرة قادمة ان شاء الله .
