كانت الساعات التالية ملأى بالتفكير ودارت كل هواجسي حول نقطة واحدة هذا الشخص المرح الواثق بنفسه وبإمكانياته .. ووددت لو أطلع كورين وهنري على ما يجول في خاطري ، لكني خفت من سخريتهما ، خاصة وأن الشخص ما يزال غريباً عني ...
عاد « وين » في اليوم التالي ، حوالي الساعة الخامسة مساء ، ولما قرب وقت العشاء ولم تبدر منه حركة ؛ كان لا بدّ لكورين من أن تدعوه لتناول العشاء معنا ، فقبل شاكراً .. في آخر تلك السهرة عرفت أنني وقعت في حب جارف ، لا خلاص لي منه .. وكان انجذاب أبي إليه يزداد كلما استفاض في الحديث عن الطيران وسحر الجو والاكتشافات الحديثة .. فكنت أصغي إليه ، وأحلق على أجنحة الخيال ، وكأنني أسمع إحدى أساطير ألف ليلة وليلة .
لكن الطيران وحلاوته ، كانا يمتزجان بمأساة كبرى ، فلا تدري أسرة الطيار متى يصلها نبأ وفاته ؛ وقد اعتاد الساكنون قرب المطار أن يشهدوا عشرات النكبات خلال كل عام ؛ يخرّ ضحاياها صرعى أثناء التحليق أو الهبوط لكن ذلك زادني تعلقاً به .. وقد وصفت إحدى قريباتي ، بعد ذلك زواجنا بقولها : كنت تعرفين أن اقترانك بوين كان مجرد فضول وحسب !
وفي هذه الفترة بالذات اكتشفت غيرة وين ، ومع ذلك كنت أخرج مع بعض أصدقائه إلى الشاطئ ، أو الرقص أو أصحبه إلى منزل أحد الأصدقاء ولم أعبأ لتلك الغيرة حين صممت أخيراً على الزواج ..

مع زوجها الأول الطيار « وين »
لا أذكر بالضبط ما كان جوابي له غير أني أعلم تمام العلم ، بأنه يجب عليّ استشارة العم « سول » ووالدتي ؛ أما هو فقد كان واثقاً من أن على « تلمي » يتوقف الجواب الأخير .. وكان قد أصبح بكليته ملكه !!
كان من المقدر أن تنتهي زيارتي في مدة شهر ، لكني الآن بت انتظر الآ تنتهي الأيام التي تجمعني دقائقها « بوين » وتقرّبني منه لإدرس نفسه وكوامن صدره ؛ وأراقب عاداته وسكناته ؛ وفي كل ذلك ، كان يرتعش قلبي ، وترقّ نفسي فرحاً .. عرفت أنه ترعرع في شيكاغو وتخرّج من جامعة « أنابوليس » عام ١٩١٠ ودرس الطيران خلال خدمته في الأسطول الأميركي ، وبرع في فنه ؛ وبعد أن تمّ بناء محطة « بنساكولا » التحق بفريق الطيارين هناك .. وكان قد بلغ السابعة والعشرين
من العمر ..
وكانت طبيعة « وين » المرحة غريبة تنقلب أحياناً رأساً على عقب ، ليغيب في موجة من الهستيريا الصامتة الناقمة ، فحين تطول رقصتي مع صديق ، أو حين أمازح رفيقاً له .. كنت أعود لأجده مكباً على الطاولة لا ينبس بكلمة .. ولم تكن لدي الخبرة الكافية بطباع الرجال لأعرف أن الناحية المغلقة من نفسه أقوى ما في شخصيته ، وبأنها سوف تبطش يوماً به وبالحياة التي حاولنا أن نبنيها معاً .
بعد شهرين عدت إلى البيت ، وقد أوصلني وين إلى المحطة مع كورين ؛ ولا أنسى موقفي الحرج حين مددت يدي لأصافحه مودعة ؛ لقد جذبني إليه عن السلم ، وقبلني بجرأة غير مبال بوجود كورين ، ثم قال : سوف أصرف عطلة الصيف في بلتيمور ... وانتظر الجواب النهائي منك .. وأحنيت رأسي .. وابتلعني صخب القطار .
لدى وصولي وجدت رسالتين في انتظاري ، حملتهما والدتي وهي تقول :

واليس ووين في فترة مرحة لم تدم
٣٥