مذكرات دوقة وندسور
في الحادي عشر من تشرين الثاني عام ١٩١٨ أعلنت الهدنة ، وفي فرح جنوني عيّد السكان انتهاء الحرب ؛ لقد رقصوا في الشوارع ، وملأوا الحدائق .. ووقف وين مسروراً بما فعل ، لكن مرحه تلاشى حين رجع الى نفسه ؛ ولم ترض القوات بأن ترسله عبر البحار ، فجعله ذلك يشعر أنه ضحية الحظ ، هناك من هم أقل كفاءة منه ، ومع ذلك يصيبون ما يريدون .. وازداد انطواؤه على نفسه ، وشط بذلك عن مدى إدراكي وحسّي .. وزادت غيرته وإمعانه في السكر .. وكما يجري عادة في مثل هذه الأحوال فقد صب جام غضبه ونقمته على الشخص الذي يحب ، وبتّ أنا فريسة لما يصطرع في نفسه من أوهام وآلام .
كان يبدو طبيعياً في المجتمع ، ولا يظهر نتفاً من حقيقته ، بل يحتفظ بها حتى يدخل عتبة الدار ، فيصمت ساعات ، وإن خرج عن صمته فليؤنّبني ويتهمني بأني أتجاهله وأساير سواه .. وأذكر كذلك مزحه العملي ، فقد كان يقفل الغرفة عليّ ، ويخرج ليغيب ساعات .. وحاولت أن أتلافى الخطر المداهم ، فبدأت أقيم الحفلات ، وأدعو المجتمع إليها ، أو كنت أخرج معه الى فندق « دال كوروفادو » وفيه تعرفت الى باريمور « وتشارلي تشابلين » و « أمير ويلز » .. غير أن هذا التخدير كان يزيد مشاكلنا الخاصة ... وصدف أن قدمت والدتي لزيارتنا ، فشعرت بفتور علاقتنا ، مع أننا حاولنا أن نقنعها بغشاء مزيف من المرح والهدوء .. ولم يمنعها ذلك من الإدلاء بنصيحة وهي تودعني : واليس .. يزعجني جداً أنك تصادقين الناس وتنتقين أصحابك بهذه السهولة .. وأخاف أن يسبب لك هذا متاعب جمة
في مستقبل أيامك ... أما أنا فبتّ أرقب حدوث أعجوبة تثبت أركان بيتنا المتداعي .. ولكن أعمال وين كانت تزداد تعقداً ، وانقلب أحد رؤسائه ضده ؛ ويبدو أن تعقد الأمور العملية ، يصادف تجاوباً مع كل خطوة من خطوات الحياة ... والحل الوحيد لكل ذلك كان زجاجة المشروب .
لم نكن بمعزل عن الجيران ، فقد كانت مشاحناتنا تتسرّب خلال الجدار الى آذان الجيران ، وأذكر بعد ظهر سبت .. فقد أقفل وين باب الحمام وتركني في داخله ساعات .. للآن لا أعلم
اذا كان قد ترك المنزل ، أم بقي في الداخل .. وحاولت أن أفتح الباب بمبرد الأظافر فلم أفلح .. وفي المساء ، كانت أعصابي مرهقة ، ولم أجرؤ على الاستغاثة ؛ أخيراً سمعت صرير المفتاح وحين فتحت الباب ، كان المنزل في ظلمة دامسة ، وسمعت أنفاس وين وهو مضطجع على سريره .. أما أنا فقد صرفت بقية الليلة على أريكة في غرفة الجلوس ، أراجع أمامي سلسلة المتاعب التي تعترض حياتي .. وفي تلك اللحظات وصلت الى قرار يقضي بالانفصال عن وين .
( يتبع في العدد القادم )

