والانكليزية ، فاختار الثانية : وكانت زوجته اميركية ، وفهمت منها ان علاقتهما الزوجية في تفكك ، ويعتاض ارنست عن المنزل بالانصراف للمجتمع ولأصحابه .. فهو متحفظ في مظهره ، لكنه سريع الخاطر انيق الملبس ، يجيد الرقص ويحب المسرح والمطالعة .. وكنت ادرس كل ذلك بدقة وامعان ، واراقب من طرف خفي هذه الشخصية غير الاعتيادية .. وسرعان ما افتتن بي ، ولم تقل فتنتي به انا ايضا ؛ وكانت ماري رافري تدعوه كثيرا الى مائدتها ، حين تعلم اني سأزورها ، فنلتقي في الحديث حول الطعام او حول طاولة « البريدج » .. وكنا على مر الايام ، نزداد تقربا واحدنا من الآخر ؛ ونشعر بمزيد من الانسجام في المشارب والاذواق . وكنت اقنع نفسي بالا اتورط في علاقة عاطفية قبل ان انهي كل شيء مع وين ..
كنت على ابواب الثلاثين ، وبدأت افكر في ايجاد عمل ما ، ولكن لم تكن لي المقدرة الفكرية الكافية لذلك ، وصدف وانا عائدة من نيويورك ، ان كانت على ظهر المركب صديقة من « بلتيمور » راحت تحدثني عن « برّاجة » تأتي بالمعجزات ؛ كنت واقعية فلم ترق لي هذه الفكرة ، ولكن الصديقة اكدت لي متعة التجربة اذ اصغي لمدة نصف ساعة الى حديث عن مستقبلي وحياتي .. ولم تلبث الصديقة ان فارقتني حتى ارسلت استدعي البراجة البارعة مقابل عشرة دولارات للجلسة الواحدة .. لقد تلاشت الاقوال التي راحت ترصفها على مسمعي الا بعضها . فقد تنبأت لي بانني سوف
اتزوج مرتين في حياتي بعد . وسيكون احدهما اعتياديا لا يلبث ان يزول من ذهني ، ثم زواج آخر بين السن الاربعين والخمسين تدخل فيه قوة خارقة ، وتحدث ضجة هائلة .. وسألتها عن تلك القوة ، فلم تجب ، ولكنها طمأنتني بانني سوف اصبح امراة شهيرة .. وعدت اسألها اذا كانت تلك القوة نتيجة عمل اقوم به ، فنفت واضافت تقول : ليس هناك عمل واحد في مجرى حياتك .. سوف تعيشين حياة بسيطة ، تتزوجين ثم تطلقين ، وتمرين بحالات عصبية عسيرة .. والقوة تلك تتعلق برجل ..
لم اصدقها آنذاك ، وعدت الى حياتي السالفة ونزهاتي القصيرة وكتبي الكثيرة ووحدتي التي تصفر في اذني كصفير الهاوية .. وقرر ارنست سبسون ان يطلق زوجته في وقت قصير ؛ ثم جاء يعرض علي الزواج منه ، بعد ان نتحرر نحن الاثنين ، ولما عدت الى نفسي وجدت اني احبه لعدة صفات ...
في هذه الاثناء كانت امي قد تزوجت من « شارل غوردن » في واشنطن ، ومع انها كانت في السادسة والخمسين من عمرها ، فقد بدت بمرح العروس الشابة .
وجاءتني رسالة غير منتظرة من الخالة « بيسي » تدعوني فيها لمرافقتها الى اوروبا .. كان ذلك في اواسط صيف ١٩٢٧ حين تركنا نيويورك ؛ وصرفنا فترة سعيدة تذكيها الخالة بمرحها وحيويتها واستقلالها .. ولما نوينا العودة فوجئت بخبر وفاة العم « سول » .. وكنت قد اصبحت في نظره الخروف الضال ، فلم يتصل بي بعد زيارتي الاخيرة له .. ولما رجعت لحضور الجنازة ، كانت نفسي ملفقة بملاءة سوداء قاتمة ، كالمستقبل
المغلق الذي لا اعرفه ؛ وظهر لي ان وصية العم لم تحرمني من بعض ميراثه .. ثم في اواخر الصيف ، حصلت على ورقة الطلاق من « وين » وكان ارنست سبسون قد سافر الى انكلترا ليترأس اعمال اسرته فيها ومن هناك ارسل يسألني ثانية للزواج منه ، وجاء جوابي هذه المرة نعم ودون اي تردد ، ارسلته من « الكوت دازور » في فرنسا ، حيث دعتني كاترين روجرز وزوجها لقضاء فصل الشتاء ..
وفي ايار عام ١٩٢٨ سافرت الى لندن ، وكان ارنست قد اعد كل شيء للزواج ، السيارة والسائق « والفيلا » وفي ٢١ تموز من ذلك العام تزوجنا ، وكان ثوب زفافي اصفر اللون ، فوقه معطف ازرق احضرتها لي خياطة شهيرة في باريس .. ولم نقم لزواجنا احتفالاً ؛ وحتى الاشخاص الذين شهدوه لا يزيد عدّهم عن اصابع اليد .. ولكن شهر العسل السعيد الذي صرفناه في فرنسا ، انسانا كل ذلك ، وشعرت مع ارنست بامن واستقرار لم اعدهما منذ طفولتي ..
(يتبع)

