
رفيقة الطريق والجهاد كانت جهان، وشقيقة القلب والروح، فما اغلى ما فقدنا واعز!
كم من حرب نزلناها لنخرج من ساحها يداً بيد وعيناً بعين. وكم من مبدأ ادبي او اجتماعي اختلفنا فيه لنرتد بعد مناقشة وجدل ونحن ادنى ما نكون الى التفاهم وتقارب الرأي.
أديبة من لون وحدها، كانت جهان. ذات قلم قلّ ان يجارى في العبارة المرصوصة المكتملة البناء، يأسرك فيها النفس الراهي لكأنه من غير هذا العصر، والكلمة الرشيقة المنتقاة بذوق، طافرة، فخمة، نابضة الحروف! حتى لكأن جهان، اذ تبني عمارتها الادبية، انما تقتطع حجارتها من مقالع عميقة الاغوار - من المرمر النادر - متفننة في صقلها وإبراز سحرها..
لكن جهان الادبية الممتازة - واقولها بصوت خنقه الأسف - تكاد تكون مجهولة الاسم في عالم الادب. كأن نتاجها، اول ما اطل علينا بالاسلوب المتماسك الرصين، كأنه جاء من العدم، ولد هكذا رفيعاً وما عرف تطوراً ونمواً. او هكذا خيّل الى الناس، لا عارفين ان لجهان، مع القلم، مواعيد ومواعيد، ترجع الى خمس عشرة سنة واكثر. فكم من نفحة ادبية عطرة، او همسة شعرية اصيلة نثرتها بتواضع، لا حباً بظهور ولا سعياً وراء شهرة. وكم من نقد محكم جريء هزّ قراء العربية هزّاً وكان مدعاة للشك والتساؤل: من تكون هذه؟
وما قيمة انتساب هذا الادب اليها من الصحة؟ لكن جهان الادبية لكالينبوع المحتجب في كهف. لا يصل الى سمعك من هديره الاخرير ساقية واحدة، نفذت من شقّ في الصخر صغير، اما معظم خيراته وانغامه فباقٍ لأمه الارض.
كيف كان لمواهبها الادبية ان ترى التفتّح والفوح في اجواء قاتمة عملت على خنق هذه المواهب وكبتها؟ كيف كان للذكاء والحس المتقد ان يلقيا التربة الصالحة للنمو والمنسرح الفسيح للتحليق؟
وفي بيئتها الطرابلسية المحافظة لم يهادنها المرض يوماً، حتى لكأنها واياه في نزال دائم... وقد رطب زواجها السعيد من قتام عيشها وخفف تعب عافيتها، لكنه ألهاها عن الانصراف للكتابة، وجافى بينها وبين ما ارادت انجازه من آثار ادبية قيمة، بقيت محبرة دون تنقيح وكم كانت جهان تحلم بها، ويحول بينهما صغار ثلاثة، وزوج كريم، وواجبات مدرسية ومنزلية لا تحد...
كان حملها اثقل ما في استطاعة انسان فرد ان يحمل. كانت معطوبة الجسد، تقاوم هذا العطب بإيجابية الجندي الشجاع، وحملت بحيويتها الغريبة مسؤولية زوجة وأم وأديبة، فخانتها قواها في منتصف الطريق وخرّت صريعة اخلاصها وتفانيها.
رفيقة الطريق والجهاد كانت جهان، وشقيقة القلب والروح، فما اغلى ما فقدنا واعز!...