كنت أقطع ساحة النجمة مسرعة حين سمعتها تناديني وتمد إليّ يدا سمراء وتقول « أهلاً سميرة ابن وعدك بزيارتي في زحله ، لقد انتصف الصيف - وكنا في أوائل آب - ولما أرك عندي .. » فاعتذرت لها ووعدت بأن أزورها ، ثم صافحتها فانصرفت عني عجلانة ..
وبعد شهر كامل .. أو أقل من شهر ، كنت أتصفح الجريدة اليومية وإذ باسمها ينشر مجللاً بالسواد . مسكينة جهان لقد ماتت .. لو كنت أعرف أن مقابلتي لها ستكون الأخيرة لاستوقفتها أكثر .. لتعرّفت إلى نفسها أكثر ، لأخذت عنها أكثر مما عندي .. ولكنني لم أفعل . لم أكن أعرف أن الأقدار ستضطرني أن أصفّ لجهان سطوراً دامعة .
معرفتي بجهان ليست بعيدة ، ولا أزعم أيضاً أنها كانت شاملة . المرات التي أتيح لنا فيها أن نتقابل لم تكن تزيد على عدد أصابع اليد ولكنها كانت في كل مرة تزيدني إيماناً بأنني أمام إنسانة في نفسها وروحها الكثير من العطاء ..
كنت أعرف عنها أنها تحب « مي » حتى العبادة وإن أملها الكبير أن تخلص إلى دراسة تنصف فيها هذه الأديبة وتضعها حيث يجب أن تكون ..
كتبت لي جهان خمس أو ست رسائل كان أكثرها يدور حول مي ..
أفضل ما أفعله الساعة هو أن أبعث جهان في إحدى رسائلها لنسمعها تقول في واحدة منها ، خضراء السطور ، تحمل تاريخ السادس من حزيران ١٩٥٥ تقول -
« إن دراستي ( لمي ) ترجع إلى سنوات خمس جمعت فيها كتبها الأربعة عشر مع مجلدات عدة لمجلات الهلال والمقتطف والرسالة والمرأة الجديدة وما قيل عنها وفيها أثناء زيارتها للبنان سنة ١٩٢٢ وما قيل عنها وفيها أيضاً خلال نكبتها يوم حجر عليها ، وما قيل عنها وفيها أيضاً بعد موتها الباكر . أما رسائلها لجبران وقد كانت في متحفه في بشرّي ، فلم
يسبقني إليها إلا أديب واحد أجهله حتى الآن هو الأستاذ حليم كنعان ، هذا الأديب الذي ما كاد ينشر دراسته عن الصلة التي بين جبران ومي في كتيّب هزيل الحلة جزيل الفائدة حتى تلقفته يدا (.....) (*) فحوّرتا فيه دون أية إشارة إلى المصدر الحقيقي. أما بقية رسائل مي وجبران فهي محفوظة عندي مع صورة جميلة لمي في طفولتها وكذلك بضع بطاقات أرسلتها مي لجبران في بعض الأعياد تتجلى فيها نفسها الكبيرة وفلسفتها في الحياة ورأيها في فن جبران .
أما تلك الطفرة البائسة أو ذلك الكبت المضني فلم ألمح له أثراً في كل ما كتبت مي ، وأما ما قاله الأدباء اللبنانيون عن مي فكثير لا يمت إلى حقيقتها بصلة ، لقد قال فريق بشذوذها واتهمها بأنها لم تحب أحداً حتى ولا جبران .
وقال فريق آخر أنها مسترجلة أتقنت كل شيء إلا أن تفتح قلبها للحب . وقال فريق أن سبب جنونها المباشر هو أن أحد أقربائها سرق منها رسائل جبران . وقيل وقيل وليت هذه الأقوال صدرت عن أناس لا يعيرون أذناً إلا للأقاويل ، إذن لهان الأمر ولكن هذه الأقوال وأمثالها صدرت عن أدباء لهم وزنهم في العالم العربي .
أجل يا عزيزتي سميرة هناك من أتهمها بجفاف العاطفة وجمودها والتواء الناحية الجنسية عندها ، وهناك من ادعى أنها مائعة متطيرة لدرجة أنها جنّت عندما سرقت منها رسائل جبران ، كل هذا ولم يكلف أحدهم نفسه عناء درسها من خلال أدبها . إن عالمنا الأدبي يا عزيزتي ليمثل عالمنا الاجتماعي والسياسي أجل تمثيل وأصدقه ، إن صورة حياتنا لتنعكس انعكاساً عجيباً على مرآة أدبنا . إننا ضائعون تائهون لا نعلم كيف نذهب وكيف نجيء . إننا وسط تيار جارف يسير بنا إلى التهلكة ولكننا مع ذلك لا نكلف تفكيرنا شيئاً ولا نلزمه التروي والموازنة .
هذا واتهام مي بالجنون وذلك الحجر للاستيلاء على مكتبة مي الثمينة من قبل أولاد عم لها وفلسفة مي العميقة وتعاليها على سوداوية العانس ، وإقرار صديقة لي متأدبة كانت ممرضة في مستشفى الطبيب دبيز حينما نقلوا ( مياً ) إليه يؤكد ظني بأنها لم تكن على شيء من الجنون مطلقاً ، وإنما كان مرد إصرارها على الإضراب عن الطعام وعن مواجهة أي كان من الناس حتى


