
... بعد انتهاء زيارة الريحاني الى باريس اصطحبه جبران الى لندن حيث مكثا شهراً كاملاً وكتبا لي من هناك مكتوباً « مضحكاً » يدل على حالة نفسية مرحة ممتازة ... ذلك انهما كانا ما يزالان في اول الطريق ولم يرزحا بعد تحت عبء الفلسفة ، وضيق الصدر ، و « الحرَد » المزمن !!
لم يزد المكتوب على العشرة اسطر بدأ جبران السطر الاول وكتب امين السطر الثاني ثم جبران السطر الثالث وامين الرابع ... وهكذا ... كلها مزح لطيف يزيل الهم عن القلب .
وكمل الريحاني طريقه الى نيويورك وعاد جبران الى باريس ، وعدنا الى حياتنا السابقة : نرسم وتتناقش في شؤون الفن وشجونه ، وتنتزه على ضفاف « السين » ولما تيسر لنا دعوات ، نسارع الى المرسح « الشاتليه » لمشاهدة الراقصة الاميركية الشهيرة « ازيدوره دنكن » ... ونرتب من حين لآخر ، في محلي ، حفلة موسيقية راقصة ، تعزف فيها اولغا ونرقص مرغريت ووزينا على ضوء الشموع الناعسة ، ونرقب انا وجبران ونحتسي الشاي ... ونحلم !!
كان جبران في تلك الاثناء يكثر من الانصراف الى الكتابة واحياناً يقرأ لي ما يكتب . اما انا فكنت تحت تأثير مطالعة سبعة مجلدات ضخمة عن تاريخ اصول الديانة المسيحية « لرنان » ، وقد عصر فيها دماغه ووفق في اخراج الموضوع بمهارة فائقة اثارت اعجابي بهذا المؤرخ العبقري ، فالتفت الى جبران قائلاً :
« حبذا يا اخي التخصص بنوع واحد من الادب او الفن او العلم ... لهجة الانبياء هذه ( وعنيت لهجته ) لا تروق لي ، ولا تلذ لي السباحة في الضباب ، ولا يهمني اصلاح الكون في كثير او قليل ... بعيني فقط لو افهم شيئاً واضحاً عن اسرار الكون الغامضة المحيطة بنا .. »
وكان جبران يجيبني بما يشبه الهزء وهو يرشف القهوة وينفخ دخان السيجارة: « قل لي يا يوسف بأي نوع من الفنون او العلوم ستتخصص ؟ وهل تحسب ان باستطاعتك فهم شيء واضح من اسرار هذا الكون الغامض العجيب ؟ »
وسألته رأيه في تمثال راقصة كنت اشتغل عليه ، فحدق طويلاً وتناول التمثال بعيني فنان خبير فاحص ثم اجابني: « اهنئك يا يوسف ، ان راقصتك ولا شك من وحي ازيدوره ، انت حتماً نحات خير منك رسام ... دونك النحت .. تخصص بالنحت ! »
كان يتكلم ويعالج باصبعه الدلغان ، ماسحاً بعض خطوط الجسد وانا اداعبه على طريقتي الخاصة : « راح توسخ اصبعك ... والخاتم الجميل على اصبعك ! »

ثم طلب ان يرى الرسم الاول - الاصل الذي نقل التمثال عنه - فقلت : « لقد اعجب الآنسة مرغريت وابدت رغبة بالمحافظة عليه فاهديتها اياه » . فحمق جبران وقال : « هكذا انت ... دائماً تبعثر رسومك ولا تعرف كيف تحتفظ بها . انت بحاجة الى وحي ! » جاوبته ببرودتي المعتادة : « اناتك يا اخي ، ويظهر ان ازيدوره شاهدت الرسم مع تلميذتها مرغريت فاعجبت به واستفهمت عن الفنان الذي صنعه ... وربما جاءت لزيارتي ! »
هزّ جبران كتفه باستخفاف وقال : « اوهام واحلام يا يوسف ، هي لا تتنازل لزيارة اغنى مواطنيها ... اصحاب الملايين ... ألم تر بعينك كيف يجنّ
الجمهور اذ تخطر ، او تدور على المرسح بحركاتها الرشيقة المتسقة ؟ وكيف تنشر حولها باقات الزهر ؟ » . وزاد جبران بعد ان فكر قليلاً : « ومن يعلم فعلها تتذوق الفن وتقدره قدره ... على كل حال هي غنية ولربما تحتقر مواطنيها الاغنياء لانهم جهلة ...
٨
المتسقه