لو كان اللبناني مخترع السيارة لكان حالنا غير ما هو اليوم ولكننا بخير حال. اما وان اللبناني ليس بمخترع وتقاليد السيارة غريبة عنه، مع انه من امهر من سيّر سيارة، فنحن في «ورطة» ما بعدها ورطة.
تصور مثلاً طفلاً في العاشرة من العمر، لم تكتمل ثقافته بعد، وضعت في يده بارودة لا يعرف عن اصولها شيئاً، فاتقن «القواص» بها، وهو دون وجل لا بل بشيء من الاعتداد بالنفس وما يسميه بسالة يستعملها ليل نهار فيصيب احياناً ويخطئ حيناً غير مبال او مرتدع او واع مدى المجازفة التي يقوم بها. ما يكون خطر هذا الطفل على الارواح؟ اتكون السيارة في يدنا اكبر خطر على ارواحنا؟ ما العمل؟
في الغرب حيث اخترعت السيارة نجد اصولاً وتقاليد وآداباً تتعلق بامر السيارة والسير والسائق على العموم، وحتى بالراكب المنقول في السيارة من مكان الى آخر، وحتى بالمشاة على الاقدام في علاقتهم بالسيارة المارة.
في بلاد مخترعي السيارة مثلاً تقضي التقاليد والآداب ان لا يُستعمل «الزمور» الا في حالات استثنائية وذلك لاسباب عديدة، منها ان الزمور يقلق راحة السكان واستعماله في اي وقت بشدة واستمرار، دليل في رأيهم على الهمجية، ومنها ان المشاة والسائقين يعتبرون التزمير لهم اهانة كأنما هو تنبيه لخطأ فادح ارتكبوه ولم يخلّوا بأي نظام. وقد شاهدت الناس مراراً في بلاد السيارة حيث الاصول والآداب والتقاليد موروثة ينظرون شذراً بامتعاض وازدراء الى السائق «المزمّر»، ودائماً كان يتضح لي في آخر الامر ان المزمّر غريب عن البلاد.
ومثلاً في بلاد السيارة نظام للسير معروف يحترمه الجميع فلا يقف السائق فجأة في الطريق دون اعطاء اشارة او انذار، كأنه يملك الطريق العمومية، فيضطر السيارات خلفه الى الوقوف، الوقوف بعنف سريع يرتجف له جميع الراكبين فيها هذا اذا سلم الامر من اصطدام هائل! ولا تسابق السيارات بعضها
بعضاً على الطريق اذ يحسب هذا العمل صبيانياً بدائياً، فالسرعة مباحة في حالات معينة وعلى طرقات مخططة لها، ومن لا يريد الاسراع حتى على هذه الطرقات يلزم يمينه ويسمح للسيارات المستعجلة ان تقطع عن يساره بترتيب ونظام؛ فلا عرقلة للسير ولا تبجح بالمسابقة. ومن يخل بهذه القوانين مصيره الحبس.
وفي بلاد النظام حيث يكره الناس الفوضى تقسم السيارات وتصنف بحسب انواعها وتحدد شروط السير بالنسبة اليها، فسيارات النقل والشحن تسير بموجب سرعة معينة وتعطي دائماً مجالات للسيارات الصغيرة ان تقطع عنها فلا مشاهد مرعبة هناك «لبوسطة» و«كميون» يتسابقان بعضهما مع بعض ويسابقان بدورهما سيارات «الركاب» الصغيرة، وكل ذلك على طريق قليلة العرض محاطة «بالمهاوير». ولا تقف «البوسطات» وسيارات الشحن حيث تريد معرقلة السير بتصرفها الذاتي، ولا تلتقط «البوسطات» الركاب عن الطريق معطلة السير لكي تربح راكباً، بل هناك محطات خاصة محددة على الطريق يقصدها الركاب وينتظرون «البوسطة» فيها وهي لا تقف الا عندها. ولا تنوء سيارات الشحن تحت حمولة تستدعي سيارتين او ثلاثاً لتقلها بدلاً من واحدة ولا تتعرض السيارة وسائقها والمار بها الى خطر الموت المحقق.
وفي موطن السيارة قانون مقدس بشأن حق المرور (Right of Way)، فالسائق على شارع رئيسي يسير باطمئنان بلا حذر ودون خوف الاصطدام بالسيارات النافذة الى هذا الشارع الرئيسي من الطرقات الفرعية، ولا تحاول هذه مسابقة السيارات التي لها اسبقية المرور على الشارع الرئيسي.
ومن التقاليد والآداب المرعية بشأن السيارة عندهم قضية استخدام الانوار. لا يجوز هناك لسيارة ان تسير ليلاً دون اشعال اضوائها من الخلف والامام. والاكتفاء بضوء «عين» واحدة ليس فقط خطراً وكسراً للقانون يستحق العقاب، بل امراً مستهجناً ومثيراً للسخرية. والسائق الذي لا يخفض انواره
