من شباك غرفتها اطلت تنشق نسيمات العشية علها تروح القليل من قلقها واضطرابها ، وما لبثت ان شعرت بدمعة حادة تنساب من بين اهدابها على خدها ...
ثم تراجعت لتسدل ستائر شباكها المخملية وذهبت تستلقي على مقعد وثير في غرفتها علها تلاقي بعض الهدوء والراحة ، علها تطمئن بعد هذا النهار المشبع بالاصوات ، ومع تأملاتها عاشت طيلة تلك العشية .
يا لبهاء ! فيض من شباب ، كتلة من قوة وحيوية ، لا ، ما رأيت في حياتي بعد شاباً أجمل منه ! وعيناه ! يا لحلاوة عينيه على ذلك الوجه الحري الاسمر ، وقوامه ! وبزته العسكريه ! ..
ليتني عرفته من قبل ، لكنت انتهيت من حيرتي ولكن هكذا شاءت الظروف رغم انه قريب لي ، لا شك ان اعماله العسكرية فرضت عليه الا يزورنا طيلة هذه المدة ، وكوني انا طالبة داخلية ابعدني هذا البعد عن محيطي ...
جميلة هذه العطلة الربيعية ليتها تدوم يكفي انها عرفتني الى صباح ، ويكفي انها جعلتني اتجه اتجاهاً جديداً في حياتي واسير نحو هدف معين ..
ما اقسى هذا النهار ، كيف انقضى تاركاً وراءه الذكريات ، ما أحسست يوماً من حياتي مر سريعاً مرور هذا
النهار ، ليت الانسان يستطيع الحكم على الزمان لاوقفت هذا النهار وما تركته ينتهي ...
لقد ملأ نهاري ، ملأ حياتي وملأ قلبي حباً واكباراً ، اخبرتني قصته الخادمة العجوز عندنا لانني لم اتجرأ ان اسأل ابي قالت : لقد جاهد جهاد الابطال حتى توصل لما هو عليه ، اخبرتني انه عاش يتيماً معدماً فتعلم في مدرسة القرية واظهر ذكاءً فائقاً ثم اخذ يعمل ويدرس بالوقت نفسه حتى انهى دراسته الثانوية وبعدها دخل المدرسة الحربية ...
ما شككت بحزمه وذكائه ، وهل يخفى ذلك ، وفي عينيه تتجلى الارادة ؟ لا ما شككت ولن اشك يوماً بذلك . تباً لحياتي ما اصعبها ، وما اشبهني بالسجين المكبل ، بين جدران هذا المنزل الفخم ، لا الرياش تغريني ولا المركبات تبهرني ولا الخدم ولا الزوار ولا احد ، اني افضل فقره ، افضل حياته ، افضل شظف العيش معه على حياتي هذه بأسرها ...
ما اشد عذابي ! لمن اشكو ؟ لمن أبوح بحبي ؟ بمن أطلب الارشاد والنصح ؟ اليوم احتاجك يا امي ، فأين انت ؟ لقد تركتني باكراً ، ما عرفت عطفك . يقولون ان لا حب يوازي حب الام ، حبذا لو خبرته يا امي .. ما اشد احتراقي عندما اسمع رفيقاتي ينادين « ماما » — كلمة يا طالما تشوقت الى استعمالها
ولكنها حرمت علي بين كلمات اللغة كلها ، وابي يحبني ولكن زوجه واولاده وضيوفه واعماله كلها امور تشغله عني ، ليتك تساعديني يا اماه حيث انت ، وتلهميني ما يجب ان افعل ..
ان وجهه لا يغيب عن عيني . يا لبهاء تلك الطلعة ! لقد تركني في شبه غيبوبة ، اكاد لا اصدق اني وجدت فتى احلامي سأعيش بحبه ، لا احد يشغلني بعده ، لقد ملأ فراغ حياتي بسرعة عجيبة ، فلا اجد غيره يا الهي ...

واستفاقت هيفاء من سهومها وكانت الغرفة قد غرقت في الظلمة ، وقبل ان تخرج لتشارك الاسرة طعام العشاء نظرت الى وجهها في المرآة ، فلاحظت عليه علائم الاضطراب والتفكير ، فراحت تحاول اخفاء اضطرابها وراء ابتسامة عذبة ولكن ذلك لم يخف على خالتها ، اذ انها بعد العشاء قامت تسائل زوجها ما بال هيفاء مضطربة ، ما رأيتها قط بهذا السهوم اخاف ان يكون صباح قد احدث انقلاباً في تفكيرها ، ولكن الوالد لم يعر الكلام عظيم اهتمام .
ومضت الايام وحب صباح يتقد في قلب هيفاء ، ولكن كل ما كان يشغل


