افراد الاسرة المالكة .. وكان يذهلني ان ارى امة بكاملها ، تلاحق ذهاب واياب اسرة واحدة ، حتى ارنست نفسه الذي عاش سنوات في الولايات المتحدة ، كان يبدي اهتماماً شديداً بذلك .. فاذا تحدث عما قالته جلالة الملكة او الملك في مجتمع او حفلة خيرية ، كان يذكر ذلك بورع واجلال .. فاذا غيرت الملكة ماري معطفها ، كان ذلك كفيلاً لتجديد الازياء النسائية .. اما الملك جورج فكان انموذجاً للاناقة .. الى جانب هذا كله ، كنت اعجب من شغف اللندنيين في التحدث عن الاسرة المالكة ؛ وقبل ان القى امير « ويلز » كنت قد كونت فكرة جلية عنه ، من حديث دار حول طاولة « البريدج » او في حفلة شاي .
واحدة من المشاكل التي تعرضت لها ، صراحتي ، ثم مرحي ، فقد كنت اختلف عن المرأة الانكليزية التي لا تقول كل ما تفكر به ، ولا تظهر مشاعرها ؛ حتى انها تتقن ابتساماتها ... وفي حديث الصالونات لم اكن اسمع كلمة عامية ، فاذا نسيت نفسي مرة ، ووافقت على امر بكلمة « اوكي » كانت النظرات تسلط عليّ ، كمن اتى شيئاً منكراً : وبت افكر ان صديقات « مود » كن يتوقعن باستغراب ما قد تنطق به هذه المرأة الغريبة ... وكان هذا كافياً لانطوي على نفسي في الايام التالية ... وحاولت « مود » ان تساعدني ، على اقتباس الطرق المألوفة في المجتمع حولي ، مدفوعة الى ذلك بحبها لاخيها ؛
لكنها زادتني تمسكاً بعاداتي السابقة الى حد الافراط .
وزادت وحدتي ، وانقبضت نفسي ، مع قدوم شتاء عام ١٩٢٨ ... الذي كان امرّ شتاء في حياتي .. فقد طغت موجة من الجليد على لندن ، ولفت المدينة ملاءة كثيفة من الضباب حتى السكان تغيرت ملامحهم .. وزاد على ذلك مرض الملك جورج الخامس ، الذي كان يصارع الموت في قصر « بوكنغهام » .. وعاد امير « ويلز » من شرقي افريقيا ، حيث كان في رحلة صيد ، عاد على جناح السرعة ، وكأنما العاصمة كلها كانت تعيش على تقارير الاطباء اليومية .. وفي يوم ماطر ، كنت مستقلة سيارتي بقرب قصر « سانت جيمس » حين لمحت الحرس يؤدون التحية بالسلاح ، ثم ابصرت سيارة سوداء تخرج الى شارع « سانت جيمس » .. وحين اجتازت سيارتنا ، لمحت وجهاً فتياً ، يحدق امامه ، ويبدو عليه اهتمام شديد .. فنظرت الى سائق السيارة وقال : « سيدتي .. هذا امير ويلز في طريقه ليرى والده في القصر .. بلا شك »
كان زوجي الثاني يختلف عن الاول ، اختلاف الليل عن النهار .. فقد كانت طبيعته هادئة ، معتدلة ، وهو جاد في اعماله ، يفضل النوم باكراً على السهر ، واكبر سهرة يقضيها في بيت احد الاصدقاء .. كان ينهض في السابعة صباحاً ، ويترك المدينة في التاسعة ، ثم يعود في السابعة مساء الى البيت ... وخلاصة القول انه كان رجل اعمال لا غير . لكنه كان يحب الادب الكلاسيكي ، والتمثيل ، والرقص والموسيقى .. كانت حياتنا عادية ، رتيبة نوعاً ، وقد فارقني قلقي ، وبت اشعر انني مواطنة بالرغم من غربتي .


