قليل بين الشعوب من ينعم « بالتصييف » كما ينعم الشعب اللبناني . وهذه أيضاً من النعم التي تذهب هدراً في لبنان ولا أقول التي لا نستحقها لأننا لا نعرف كيف نقدرها ونعززها ..
يخيل إلى أن لنا في فكرة « الصيفية » مجالاً لخلق مؤسسة فريدة في العالم تجعل للبنان ميزة خاصة وشهرة مرموقة .
فكرة « الصيفية » في شكلها المثالي ترتكز على أساسين هامين : أولها توفير أسباب الراحة والهدوء والصحة في المصيف المعين ، وثانيها توفير أسباب الاستفادة الجسدية والمعنوية للمصطاف .
جمال الطبيعة في لبنان ، رغم إهمالنا لها خلاب ، وجوّنا بهوائه وشمسه يفيد العليل والصحيح ، فما على المصطاف الآن إلا أن ينظم حياته على وجه أكمل لينال النتائج المنشودة ، وذلك بالسكن في بيت جميل مريح جبلي قروي ، بالعيش في بساطة وعدم تكلف ، بالتمتع بالطبيعة بواسطة « المشوار » و« السيران » ، بالترحرح وارتداء اللباس غير الرسمي ، بالتفرغ للمطالعة ، بوضع الخطط وأخذ القرارات الشخصية للسنة الجديدة ، بالعمل المشترك المرح مع باقي المصطافين لخدمة الضيعة التي يقضون أشهر عطلتهم فيها ، بتشجيع أنواع الرياضة والاشتراك فيها ، بالتفتيش عن الآثار القديمة التي تتفرد بها بلادنا والعمل على صيانتها . وبعبارة مختصرة بتفهم فكرة الصيفية تفهماً صحيحاً وتحقيق تلك الفكرة .
أما نحن فنرفض كل هذا . معظم بيوتنا في الجبل أشبه بالقصور وبيوت المدينة وبناطحات السحاب ، وأبعد ما يكون عن مساكن القرية وجوّها . رياضتنا الجلوس في المقاهي وصالونات القمار ساعات طويلة ، مشوارنا التمشي على الطريق العمومية ومزاحمة السيارات وتنشق غبارها ، راحتنا ضرب من الكسل المتناهي لا يصحبها شيء من الإنتاج العقلي أو اليدوي فهي أشبه براحة « المعزة » ، النظافة والأحوال الصحية أمران يُستحى بها ، فالذباب والناموس ومشاكل المجارير أمور ينتظرها المصطاف ويتحملها كثمن للصيفية أو كضريبة لا بد منها ؛ الدعوات والولائم لا تنتهي ، ونسافر من جبل إلى جبل لنحضر


