ثلاث عشرة سنة ونحن ألسنة مباهاة وفخر بما حققناه غداة وثبة تشرين من اعمال وطنية ، وضعناها في عداد البطولات : اعتقال زعمائنا ، صمودنا في وجه المستعمر مطالبين بالاستقلال ومعرّضين صدورنا لرماح السنغاليين الغليظي القلوب .. ثم تكاتفنا معاً ووقوفنا صفاً واحداً : مسلمين ودروزاً ونصارى ، رجالاً ونساء للذود عن حياض الوطن .
وجاء تشرين هذا العام بوثبة الشقيقة مصر ، فلم تقتصر العملية على انتزاع الشوكة من الجسد السليم ، كما كان الحال عندنا ، بل كان صراعاً عنيداً لرد جيوش الجرائم الفتاكة تهبط بزخم من الجو والبحر والبر ، فاذا مصر الجريح بين جيوش الانكليز والفرنسيين واليهود كصقر يقاوم نمراً — لكن هذا الصقر ، على صغره ، تشبث بوقفته ، لا ينفك يعمل منقاره ومخالبه في الجسد الضخم المدجّج ، غير مبال بما تنتّف من ريشه وما تقطّر من دمائه ... ولا عجب ان ينتصر الصقر على النمر !
ان وثبة مصر امس ، وما تناهى الينا من اخبار البطولات الخارقة في معركة بور سعيد ، اعطت الغرب اكثر من درس . لقد علمتهم ان العرب لم يعودوا من العباطة والطيبة التي اظهروها في حرب فلسطين الماضية وان انسياقهم للغير وتصديقهم الوعود الكاذبة « اغلاط لن تتكرر » .
كان الغرب مستخفاً بقوة مصر الحديثة -- وليدة « الثورة » . ما عساها ان تثمر تعاليم خمس سنين في شعب كان شبه ميت ؟!
وكان الغرب مستخفاً بشخصية الرئيس جمال عبد الناصر ، حاقداً عليه ايما حقد ، كيف يجرؤ هذا الفتى ان يوجّه التهم الى « اسياده » ، ويبسط نفوذه على قناة السويس ؟
سنعلّمه درساً : قالوا !
وأحبطت خطتهم العسكرية المدبَّرة للهجوم على مصر وقهرها ، وبالتالي لوضع ايديهم ، من جديد ، على القناة — بيت قصيدهم . وجاءت نتائج اعمالهم البربرية على غير ما تمنوا فقد صدّتهم في مصر ، ولا سيما في بور سعيد ، مقاومة واستماتة في الدفاع من جانب الجيش والشعب ، تجنّد لها الشباب والنساء والشيوخ والاطفال ، مما لفت اعين العالم اعجابا وتقديراً .
ثم تألب عليهم الرأي العام العالمي كله ، مستنكراً اعتداءً آثماً مسلحاً على بلد مستقل آمن — حتى شعب بريطانيا نفسها قام قومته النكراء على ايدن وحكومته ... وزمجر الاتحاد السوفياتي منذراً بانزال قواته الى المعركة دفاعاً عن مصر ، ومهدداً اسرائيل بمحوها من الوجود ..
وتطوّرت الاحداث على غير ما تمنّت انكلترا وفرنسا ومن ورائها اسرائيل ... وبرزت ثمة حقيقة الى الوجود ، هي زوال الاستعمار وتحكّم الكبار بالصغار الى غير رجعة . فعصرنا هذا عصر الحرية — حرية كل شعب ، وحقه في العيش الكريم ، ولن ينجح بعد اليوم من يحاول اذلال امة مشت في ركاب الحرية وتنشّقت هواءها .
ان ارض مصر التي ارتوت امس بدم التضحية — دم ابنائها الزكي — كسبت في معركة رد العدوان ، عطف العالم باسره ، وكانت هي المنتصرة ، مهما عظمت تضحيتها وخسارتها .
نحي مصر الشقيقة المجاهدة في وثبتها الجبارة التي مسحت عن جبين العرب كل وصمة وسطرت في التاريخ صفحة مجد وخلود .

