
كم من اعتداءات تاريخية في ذمة تشرين الثاني ؟! وعد بلفور وسرقة الحكومة اللبنانية والتعدي على مصر ، من ارسخ حوادثه في مخيلة كل عربي .
اعود الى الماضي القريب لاذكر تشرين الثاني : فضله لا شره . الم يسمح للمرأة اللبنانية ان تدل على وجودها وعلى انها في الملمات صنو الرجل ؟ وعلى انها تفهم مسؤوليتها الوطنية مثل فهمها للموضة ؟ ان حوادث تشرين الثاني سنة ١٩٤٣ حجر اساس نبني عليه اليوم ما ينتظرنا من بناء حيال اوضاعنا العصبية الحاضرة .
تزورني اليوم بعد الظهر السيدة نجلا صعب . اليست هي افضل شخصية تكلم قرائي عن انطباعاتها وذكرياتها لتشرين الثاني سنة ١٩٤٣ ؟ وقد كانت وقتئذ رئيسة الاتحاد النسائي اللبناني وترجمت بكل شجاعة وسداد رأي ، الساعات الغامضة من حوادث تشرين الثاني ووقفت بوجه بندقية الجندي السنغالي تقول له : « قوّس ! »
س ــ عزيزتي الست نجلا . هلا ذكرت لي كيف ضربت النفير قبيل حوادث تشرين وكيف كان رد فعل المرأة اللبنانية التي لم تكن تعرف بعد للاستقلال وجهاً ؟
ــ لم يكن هناك ضرب نفير انما تحسست المرأة اللبنانية مثلما تحسس الرجل غدر الافرنسيين وامتهانهم لكرامتنا بسرقتهم حكومتنا فتجمعن وتباحثن وكان اول اجتماع في دار فخامة رئيسنا الحالي . خرج منه المجتمعات بتظاهرة هدفها الجامع الكبير . ولكنها تحولت عن الجامع الى المفوضيات . وكانت المفوضية البريطانية اول ما زرنا . وخطر لي ان ادبج برقية احتجاج نسلمها الى المفوضيات .
هناك على سلم الجنرال سبيرز تم رأي الرفيقات ان اتكلم بلسانهن فدخلت وبعضهن وقدمنا البرقية والمحت للجنرال سبيرز عن الاشاعة التي تتهم بريطانيا بالمساهمة في العدوان . فانتفض
منفعلاً يقول : « It is a lie » كذب. كذب. كذب فخرجنا نطمئن جمهور المتظاهرات اللاتي زادهن الخبر حماساً .
ارسلنا البرقية باسم نساء لبنان وكانت برقيتنا هذه الاحتجاج الوحيد الذي وصل اسماع بريطانيا واميركا .
مشت السيدات بتظاهرة سلمية يزيد حجمها كلما مرت بالاحياء . مشت المرأة اللبنانية المثقفة قبل الجاهلة وكأنها كتيبة جيش مدرب . ما وصلنا بيت رئيس الجمهورية حتى عمدنا الى التنظيم . هناك انتخبت رسمياً لقيادة الحركة وانتخبت معي كاتبتان : الدكتوره جمال كرم والسيدة ايفا مالك .
كان الاضراب يعم المدينة وكان للسيدات اليد الطولى به لا سيما بعد ان اعلن الافرنسيون انهم يعيدون الشيخ بشاره لمركزه ولا يعيدون المغفور له رياض الصلح وحكومته . خطر على بال بعضنا ان ينهي الاضراب . ولكن القوة البوليسية التي نظمتها السيدات قبل بيومين والتي كما قلت كانت غير متمرسة بالاستقلال ، حالت دون ذلك واكملت الاضراب حتى تم لنا استعادة كرامتنا موفوره وسيادتنا تامة .
ــ ما رأيك اذن في قوة المرأة اللبنانية الكامنة وهل تعتقدين ان سيكون لها شأن في مستقبل لبنان .
ــ اني اعتقد بقوة المرأة اللبنانية الكامنة وانظر الى المستقبل بعين الامل شرط ان تأخذ المرأة اللبنانية هذه الذكرى نقطة انطلاق لها .
لقد كانت في حوادث تشرين قيادة المبدأ والعقيدة طاغية على حب الظهور والتبجح ، كانت العقيدة المشعل الذي اضاء طريقنا وكانت روحية السيدات روحية تعاون وتكاتف في سبيل ايجاد بناء شامخ متين .
وفي حوادث تشرين امثولة كبرى تنير سبل المستقبل : الثقة المتبادلة ، لذة التضحية الشخصية ليحيا المجموع ، اذابة النفس فيما هو اكبر من النفس ، وفناء المصالح الخاصة في بحر القضايا العامة .