على حساب طبيته.
××××
وكفلته منذ أن غابت عنه أمه، أخت له تكبره بسنوات ثلاث، كفلته متعلقة فمتحمسة .. وانقاد إليها يستشف الحنان من معين لا ينضب، وأحبها على الرغم مما تحمل طبيعته الواقعية من تهكم صارخ؛ وأحبته هي كذلك، بل ما تحمل مثاليتها الشفافة من تفكير؛ ولم يكن ليجمع بينهما إلا هذا الحب الكبير، على تباين طباعها، وميولهما
فما كانت هي لتتنازل عن مقدار ولو ضئيل من تلك المثالية المتطرفة إلا لأخيها وحده، الذي بدأت تؤثره على نفسها حتى ليخيل إليها أحياناً أنها تعيش بفضله في فيض من السعادة
فهي إذ تتعهده، تحس بأنه قد أضاف إلى شخصيتها المستقلة صفة الأمومة ... إلا أنها لم يقدر لها أن تتفهم أنها أنا تسيء إليه بفرض تلك الشخصية عليه
لقد كانت له أمّاً حقاً، ولكن أمّاً مهووسة، فهي إذ ترعاه، ترعاه بكثير من الحدب، ومن التعنت كذلك، ولكنه تعنت لا يسع النقمة، بل يطمع إلى غرز العادات الحسنة، وهي إذ تحصي عليه الصغائر لئلا يعتادها، تجتاحها الأفكار السود ملحة إذا ما مرض يوماً أو أسيء إليه بأمر ما.
فهو أن لم يُقبل على العلم إقبال المجدّ، نراها ملحفة عليه في غير هوادة، تُقرئه الدرس وتعيد، حتى ليكاد يحسب أن هذا الدرس قد أصبح بالنسبة إليه كابوساً من الكوابيس؛ إنما يتقبله غير شاك ولا متأفف. ذلك لأنه كان يحبها حقاً، وكان يحس لها باحترام لم يكن له لأحد ما
ومن جراء هذا الحب والاحترام، بدأ يخفي عنها بعض أمره الذي يظن أنه قد يسيء إليها، فيما لو علمت به
ولكن عندما اضطرته طبيعة الواقع إلى العزوف عن المدرسة، لم يرَ مندوحة من أن يزجي إليها ذلك ملمّحاً، ثم أخذ يتوسط الأهل في أن يكون سبيل تمهيد للتفاهم بينهما.
وأخيراً قدر أن يحصل على موافقتها إنما في شيء ليس باليسير من الأخذ والرد، كان فيهما هو المنتصر وهي المسلّمة الحائرة.
وراح يضرب في الأرض، صغيراً لم يبلغ الرابعة عشرة، وحيداً إلا من أمل يجدوه، متكلاً على نفسه، في أن يحيا الحياة التي تلائم مزاجه
وسوّلت له هذه النفس كثيراً، وفتحت له الوحدة باباً تلو باب، يلجّه مندفعاً، لا يريد أن يسأل، وإنما يريد أن يحيا هذا التساؤل ما وسعته الحياة، ليقف بنفسه على الواقع من غير ستار.
واتخذ لنفسه شعاراً جائراً، وهو ألا يصدّق كل ما يقال، أو كل ما يرى كل ذلك دون أن يلقي باله إلى ما قد يترك هذا من أمر سيء في معاشرته أصحابه وزملائه
ولكن رغم ذلك كان في كل ما يفعل صادقاً صدوقاً؛ ومن كان هذا شأنه وسعت صدور الناس له، فوجدت لهفواته باباً تصرفها منه.
وأخذت أخته تتجرع الغصات تباعاً في غير رفق ولا هوادة.
لقد هان عليه أن يخرج عن دائرة محيطه دون مراعاة، ولكن خروجه هذا لم يكن بالنسبة إليها كذلك، إذ أن لعائلتهما، المحترمة الجانب، حدوداً وأوضاعاً لم يجر أحد أفرادها على تخطيها، وهو أن لم يتداركها ويربط من نفسه إليها، ليهون ألا تعدّه تلك العائلة من أفرادها.
وساعتئذ كيف يكون موقفه هو منها، وكيف يكون موقفها هي منه؟
ـ يتبع في العدد القادم ـ