فقهقهت الفتاة وقالت : ان الآلهة نفسها لا تعرف ماذا تبغي سيدتي . فقال عطا : لا اله الا الله ومحمد رسول الله . ونهض من جلسته فرفع الخرج والقى به على كتفه وانتعل حذاءه الاحمر وأشار الى الفتاة ان تمضي امامه . وقد اخذت الفتاة تسير مختالة وهو يسير في اثرها متعثراً في الباحة ، ويتبعها على السلم الى حيث كانت ليلى تجلس على الاريكة كأنها ملكة من ملكات بابل ، وقد وقف عطا عند العتبة بدون ان يحرك شفتيه . فأومأت اليه ان يدخل ، فحياها والقى بالخرج جانباً وجلس قرب الباب على كرسي منخفض . وصاحت ليلى بجاريتها :
احضري فنجانا من القهوة . ثم التفتت الى عطا وسألته بصوت رخيم : ما اسمك ؟ - عطا . - ومن اين قادم ؟ فاجابها بلهجة جازمة : من حران العواميد . - انبئني عن سبب جلوسك مثل هذه المدة الطويلة في هذا الجو القائظ وتحت اشعة الشمس المحرقة . فقال وهو يهز كتفيه دلالة على عدم الاكتراث : وهل يعبأ احد بذلك ؟ فسألته ليلى وهي تحدق في وجهه : ولم لا ؟ فقال عطا وهو يتململ في مقعده : ناشدتك ان تتركيني وشأني .
فابتسمت له ليلى ابتسامة تشجيع وقالت : ان هذا لعمري غريب . فما خطبك ؟ فسألها عطا : وهل ينبغي لي ان افضي بمتاعي الى جميع اهل دمشق ؟ هل ينبغي لي ان انبئك بمدى خيانة اهل مدينتك ؟ فصاحت ليلى : يوه ، وماذا فعل لك اهل دمشق ؟ . ثم اردفت قائلة وهي تبتسم ابتسامة ساحرة : لا تنسى انني منهم .
فقال عطا حزيناً : لقد نالني منهم اذى كبرى . - اطلعني على جلية الامر . - ولماذا ؟ - لعلي استطيع مساعدتك . فقال عطا بدون مبالاة : انا متأكد من انك لن تفلحي حيث اخفقت الشرطة . فابتسمت ليلى متهكمة ، وعادت تقول بينما كانت الجارية تدخل بالقهوة : قص علي حكايتك على اي حال . وقد رشف عطا القهوة وأعاد الفنجان الى الجارية ثم شكر ليلى وقال :
- لقد عدت منذ امد قصير من الحج ... فقاطعته ليلى قائلة : مبروك . وتابع عطا كلامه قائلاً : بارك الله بك ، ولكن قبل ان اسافر الى الحجاز علمت ان في الحراب رجلاً اشتهر بالامانة يقصده الناس ليودعوا عنده الودائع الغالية . وكنت املك مائة ليرة ذهباً فحملتها اليه . ولما عدت بالامس وطلبت منه ان يرد الي مالي ابى ان يستقبلني ، ورماني باللصوصية والكذب وطردني من منزله شر طرد . وبما انه لم يكن هنالك شاهد على تسليمه مالي ، ولم آخذ منه ايصالاً به ، فقد عجزت الشرطة عن مساعدتي ، وها انا الان قد تملكتني الحيرة ، لا ادري ماذا افعل .

وجذبت ليلى نفساً طويلاً من النارجيلة حتى اخذ الماء في قلبها الزجاجي المزخرف يهدر كهدير البعير الثائر واخيراً اشرق وجهها ، فرفعت يدها ، ونظرت الى عطا قائلة : واين يقيم هذا الرجل وما اسمه ؟ فأنبأها عطا باسمه وعنوانه . فقالت له : بعد حوالي ساعتين . هل فهمت ؟ بعد حوالي ساعتين ، عد اليه واطلب منه مالك كأنك تطلبه لأول مرة . فسألها عطا متشككاً : وما فائدة ذلك ؟
٢١
