خرج القائد بونابرت من أحشاء الثورة الفرنسية صغيراً وكبر .. وطغى تيار بطشه على أوروبا ... وتطلع نحو الشرق يرى فيه مسرحاً رحباً لخياله وطموحه ... فإذا هناك الهند بأسرارها وخيراتها وكنوزها الأسطورية تناديه .. وإذا به يثب بثلاثين ألف مقاتل وأكثر من أربعمائة سفينة نقل من طولون إلى الإسكندرية .
وفي أوائل شهر شباط سنة ١٧٩٧ ، خرج من مصر بثلاثة عشر ألفاً من خيرة ضباطه وقواده وجنوده قاصداً إلى عكاء ، إلى ( قرية الجزار ) كما كان يدعوها استخفافاً بصاحبها ، وما درى أن هذا الرجل الذي استخف به سيلقي عليه درساً في الدفاع عن الحق والنفس لن ينساه طول أيام حياته .
وما بلغ الجزار خبر زحفه حتى نشط للقائه .. فعبأ جيشه ، ورسم خطته ... وكانت خطته من أكمل الخطط الحربية ، وهي تنحصر في الدفاع عن الحصون والمدن ، وفي مناجزة العدو في السهل والوعر مناجزة تنهك قواه ، ولا تدع له أي مجال للقيام بمعركة فاصلة .
واستولى الفرنسيون على غزة .. ثم على يافا ... واجتاحوا بعدها المعاقل والمدن إلى عكاء ... ووقف بونابرت أمام هذه المدينة متأملاً ساخراً ... ولكن قواده لم يسخروا مثله ، فالمدينة في نظرهم أمنع من أن تفتح بالسخرية والاستخفاف ، ونصحوا له بالتروي والاكتفاء بمحاصرتها إلى أن يمل حماتها الحرب أو تنفذ ذخيرتهم فيستسلموا .
ولكن اله الحرب ، لا يقبل النصح .. فهو يستحي أن يحاصر قرية كهذه ... وأمر في الحال بالهجوم ، ولكن جنوده تراجعوا أمام نيران العدو الحامية ، الدفعة تلو الدفعة ، وسقط في اليوم الأول عدد كبير منهم ضباطاً وجنوداً .
وكان الجزار وجنوده يهللون لسقوطهم ويكبرون ، مما جعل القائد الكبير العنيد يحتدم غيظاً ، ويوالي كراته العنيفة المتتابعة ، راجياً احداث ثغرة ولو صغيرة تمكنه من بلوغ غايته . بيد أن الأسوار كانت أمنع من أن تقوى مدافعه الضعيفة على خرقها ، ولما اتضح له ذلك عاد إلى العمل بنصح قواده مكرهاً ، وعدل عن هجومه الجنوني مكتفياً بالحصار .
وكان بانتظار عمارة بحرية تحمل إليه عدداً من المدافع الضخمة ، وقد قال لقواده « سأعود إلى الهجوم ، متى وصلتني تلك المدافع ولن أبقي من هذه الأسوار اللعينة حجراً على حجر » .. ولكن المدافع التي كان بانتظارها لم تصل ، فالانكليز ( حلفاء السلطان ) كانوا في البحر يرقبونه ، فإذا بتلك المدافع تقع في يدهم ، ويحملونها إلى أسوار عكاء نفسها ليحاربوه بها .
وجن لذلك جنونه ... وراح يقذف بقواده وضباطه وجنوده قذفاً إلى الموت ، ويحاول نسف الأسوار والأبراج بالبارود ، وكلما مني بالخيبة ازداد عناداً وغضباً وصاح :
- لو لم يبق لدي سوى عريف واربعة رماة لادخلن هذه القرية .
وأخيراً ... فتح لغم من الألغام ثغرة في حائط البرج الأكبر ، وتدافع الرجال ضباطاً وجنوداً لاقتحام هذه الثغرة ، ولكن نار الجزار انصبت كالمطر المنهمر عليهم ، وراحت تحصد لهم الواحد بعد الآخر ، إلى أن امتلأت الحفرة المحيطة بالبرج بجثثهم .
وذهبت جهود القائمين بتلك المغامرة سدى ... وبينا ( اله الحرب ) بونابرت في غمرة غضبه وقلقه ، اقبل رسول من فرنسا يحمل إليه نبأ . الجيوش الفرنسية تندحر في كل مكان والقواد يقتلون أو يستسلمون ، والحدود مهددة من كل النواحي ، والحكومة ضعيفة عاجزة على انقاذ الموقف .
ولكن كيف يتراجع عن هذه القرية الحقيرة ، قبل أن يدك معاقلها ، ويمحو لطخة العار التي لحقته من جراء اخفاقه في الاستيلاء عليها ؟
وقال لرفيقه وصفيه برتييه :
- لا بد من عودتي إلى فرنسا ... ولكني أريد قبل ذلك الدخول إلى عكاء

