أزمة مصر كادت تشعل نار حرب ثالثة
في الثامن والعشرين من تشرين الاول الماضي أعلم الجنرال بيرنز كبير المراقبين الدوليين في فلسطين سابقاً ، وقائد القوة الدولية في الشرق الاوسط حالياً ، هيئة الامم المتحدة ، بان اسرائيل عبأت جيشاً ضخماً ، لا يستطيع حصر عدده وعدته ، بناء على المعلومات الاولية التي تلقاها ابان هذا الحشد . ولكنه اشار في تقريره الى الامين العام همرشلد ، بان القوات الاسرائيلية قد تعتدي على الاردن ، وعلى حدود مصر . ولم يكن بمقدور الامم المتحدة ان تتخذ التدابير اللازمة ، لحق العدوان الاسرائيلي قبل ان يبدأ بل انها ، في الواقع ، لم تدر ما وراء اسرائيل من عدد وعدة ، ولا من يقوي ساعدها ويشد ازرها ؛ حتى كان يوم الاثنين في ٢٩ منه ، واعلن ان اسرائيل هاجمت الاراضي المصرية ، وتوغلت في صحراء سيناء .
وفي اقل من ٢٤ ساعة على بدء العدوان الصهيوني الغاشم على مصر ، كانت القوات المسلحة المصرية تنزل الخسائر الجسيمة بالمعتدين ، وتقضي على جيوشهم الزاحفة . ولكن بريطانيا وفرنسا بادرتا حالاً الى توجيه انذار لكل من مصر واسرائيل ، انذار مبطن مدروس سلفاً ، بانها اذا لم توقفا اطلاق
النار ، واذا لم تتراجع قوات مصر المدافعة عن ارضها وكرامتها وشرفها ، واذا لم تتراجع قوات الغزو والغدر عن اسلابها ومطامعها ، مسافة عشرة اميال من قناة السويس ، فان الجيوش البريطانية والفرنسية المتحالفة على مصر ، ستحتل مصر في مدى اثنتي عشرة ساعة .
ورفضت مصر الانذار رفضاً حاسماً قاطعاً ، لانها كانت على علم بالمؤامرة الغربية - الاسرائيلية ، ومضت جيوش مصر في قتالها المعتدين المغيرين ، وقامت الدنيا باسرها ، تعلن حق مصر في دفاعها وتؤيده تأييداً شاملاً .
وسرعان ما نفذت بريطانيا وفرنسا انذارهما ، فوجهت طائراتها المقاتلة والقاذفة الى مطارات مصر واهدافها العسكرية ، ودور الاذاعة فيها ، تزرع الخوف والرعب والدمار ، وتنشر الموت والالم في كثير ممن لا ذنب لهم ، سوى انهم شعب يؤمن بالكرامة فيدافع عنها ، ويؤمن بالحرية فيستقتل من اجلها ، ويؤمن بالحق فيستشهد في سبيله .
ومضى اسبوع كامل ، ومصر تقاوم مقاومة الابطال ، وترد كيد المعتدين الى صدورهم ، تحارب في سيناء ، وتحارب في بور سعيد ، بل تحارب في البحر والجو والبر ، اساطيل بريطانيا وفرنسا البحرية والجوية ، وتحارب المسخ الصهيوني ، ولم
تفكر لحظة ، في ان تلقي السلاح . احتل الغزاة سيناء ، واحتلت بريطانيا وفرنسا ، ثلاثة ارباع بور سعيد ، وبور فؤاد ، وكانت الابصار تتطلع الى الاسماعيلية ، فقناة السويس بكاملها ، عندما وجه المارشال بولغانين انذاره الى كل من فرنسا وبريطانيا ، بانها ان لم تكفا عن غزو مصر ، فانه لن يمنع المتطوعين من السفر الى مصر نفسها ، لقتال جنباً الى جنب مع جيش التحرير المصري وان الاتحاد السوفياتي ، لن يعدم وسيلة ثانية ، لاخضاع بريطانيا وفرنسا ، حتى ولو كان بضرب عاصمتيهما بالصواريخ والقنابل المجنحة .
ودب الذعر في الغرب والشرق ، وآسيا وافريقيا ، وتنادى الزعماء والعقلاء الى تفادي الازمة الطارئة ، وانحوا باللوم والتأنيب على بريطانيا وفرنسا ، « وقامت القيامة » في مجلس العموم البريطاني ، وارغم المحافظون والعمال واللوردات السير ايدن ، على وقف النار في مصر ، والانصياع لاوامر الامم المتحدة . فلم يجد ايدن في بريطانيا كما لم يجد حليفه موليه في فرنسا بداً من استجابة نداء الانسانية باسرها ، وقد وقفت وقفة واحدة ، تدين العدوان وتشجبه .
واخيراً وقف القتال ، واجتمعت

