( مذكرات دوقة وندسور )
– بقية المنشور على الصفحة ١٨ –
يفعلن ، انها ملك « دافيد » كانت كل شيء بالنسبة له ، وليس اعز منها الى قلبه سوى شرفه ... وحبه لي .. لكن ذلك لا يمنعني من التصريح بان جزءاً مني ما يزال في القلعة ، وقد يسجل التاريخ بعدنا ذلك ، وحين امضي من هذا العالم ، لا اشك بان زوار « مر الارز » ، في القلعة ، سوف يرون شبحاً يحوم فوق الاشجار ، والابنية .. يأبى فراقها ولو لحظات ..
يعود تاريخ قلعة بلفدير الى القرن الثامن عشر ، وكانت آنذاك ملكاً لدوق « كامبرلند » وليم ، ابن الملك جورج الثاني ... وقد اهملت القلعة في عهد الملكة فيكتوريا ، وباتت خرباً ، يعيث فيها الفناء ؛ وعاد جورج الخامس ليرمم بعض جوانبها ، ثم اسكن فيها نفراً من رجال البلاط ، وطبعاً دون حماس او استقرار ... اما هندسة القلعة ، فعلى الطراز « القوطي » وهذا ما اذهل الانكليز ، من امر ويلز ، اذ كيف يمكن ان يختار بناء قديماً كهذا في عصر كل ما فيه حديث ؟.. اما انا ، فقد تقت لأرى كل زاوية في القلعة ، بعدما ذكرت حديث الامير عنها ..
تبعد مقاطعة « سانينديل » اثنين وعشرين ميلاً عن لندن ، وهكذا اسلمنا « هوغ » سائق سيارتنا زمام الامر ، وجلست مع ارنست في الصدر وكل واحد يفكر بالساعات التالية ... وصلنا القلعة في تمام الساعة السادسة ، وكان الليل قد ارخى سدوله ، وقبل ان تقف السيارة فتح باب ضخم ، واطل
منه خادم ، وبعده جاء الامير بنفسه ليستقبل ضيوفه ويشرف على راحتهم ونقل امتعتهم ، وهذه صفة خاصة اكتشفتها فيه ؛ وبعد ذلك قادنا في ممر ضيق الى قاعة فسيحة ، رصف ارضها بالرخام الابيض والاسود ، وكسيت جدرانها طبقة من الجلد الاصفر ... وانتقلنا منها الى غرفة الجلوس ، وكانت ثما قد سبقتنا مع زوجها والجنرال تروتير ؛ لقد سحرتني دفء الجو ، فالستائر المخملية الصفراء ، والجدران الخشبية المزخرفة ، والرياش الانيقة ، جذبتني لارتاح بجانب المدفأة ، حيث وقع نظري على صف من الكتب القيمة .
واصر الامير ان يرافقنا الى الغرفة التي اعدت لنا في الطابق الثاني ، واشار من طرف خفي الى العناية الخاصة التي بذلت في سبيل احضارها وتجهيزها ؛ وحين عدنا الى القاعة لتناول المشروب ، كان امير ويلز منحنياً فوق قطعة من القماش ، وقد اخذ بيده اليمين ابرة وخيطاً ملوناً ، وراح يطرز القطعة ويزخرفها بشغف ؛ وحين لاحظ دهشتنا ، اعتذر بقوله : انها احدى الخصال القبيحة ، وربما هي العادة الوحيدة التي عجز من الاقلاع عنها .. ثم رفع القماش بين يديه وهو يقول بانه بعد غطاء لمائدة طعام ... وبالطبع كنت ذاهلة بتطريز الامير ، ولم اقدر ان اخفي دهشتي ، وانا اسأله كيف ، ومن اين تعلم هذا الفن ؟.. واجاب بانه حفظها عن امه ، وكانت تجلسه مع اخيه واخواته ، حول مائدة الشاي ، وفي يد كل منهم ابرة وخيط وقطعة قماش .. وهكذا كانت تمزج الحديث حول الشاي ، بالتطريز
على القماش ... وهكذا بقيت الهواية سراً ، لا يعلمه سوى المقربين ، اذ من المعقول ان تحدث ثورة في الرأي العام ، بين اطراف الامبراطورية المترامية !..
وخلاصة القول ، ان حياة الامير كانت مستقلة ، بعيدة عن التقاليد والرسميات ، في هذه القلعة ، او هي حياة شاب عازب ، وحيد ؛ يعمل ولا يحب الدعاية لما يقوم به ؛ فهو هنا يزور المزارعين ، والاماكن المنكوبة ، ويطلع على الاحوال العامة ، ثم يقدم المساعدة بعيداً عن اعين الرقابة والصحافة ...