مشيئة الله انه اختار لمجد ابنه واجلاله ، هؤلاء الشهود الوضيعين .
فلهؤلاء نحن مدينون بمغاور كنائسنا التقليدية لانهم هم الذين وصفوا على سجيتهم هذا الاسطبل الحقير المتوغل في الصخر وهم الذين رأوا الجمل والدواب تنفح الطفل بانفاسها لتدفئه .
انجيل العذراء
تسدل الاناجيل ستاراً على التفاصيل .. اما الروايات الشعبية فلم تنفها الكنيسة بل تجنبت ذكرها . الا ان الفضل يعود اليها ، الى تلك النصوص القديمة التي حفظها الشعب ، ولولاها لظلّ اجمل وجه من وجوه العهد الجديد في الظل ـ الا وهو وجه العذراء مريم !
فالاناجيل شديدة التكتم ، خفراً ، او صيانة ، فيما يتعلق بام الله . والروايات هي التي تطلعنا على اسمي والديها حنة وجحشان وعلى الظروف التي اتت فيها الى العالم : معجزة جعلت الام العاقر تضع في اواخر ايامها طفلة صغيرة .
وتعلمنا النصوص بذاتها ايضاً ان مريماً مشت في شهرها السادس ، وفي عامها الثاني دخلت بمفردها الى هيكل القدس دون ان يعتريها الجزع من رهبة المكان .
فالناصرة كانت مسرح طفولتها : قرية جاثمة على هضبة مشرقة على واد مخضر الحصب في اتلام محمرة التربة ـ ورب قائل ان الناصرة لم تتغير تغيراً يذكر منذ عهد العذراء . هذه الطرق الضيقة الوعرة والحوانيت المعتمة والبيوت المطيئة وكأنها مكعبات باهتة بيضاء هي هي منذ امد طويل . حتى انك اذا تجولت في الناصرة لا يصعب
عليك البتة تصور العذراء تخلد في مسكن حقير متوغل في جانب الهضبة ، ترتدي ثياباً بيضاء وتهيء الطعام مراعية في صنعه ، حذافير الطقوس الدينية .
واذ تبلغ مريم سن الزواج تطلعنا النصوص على رواية حلوة في المناسبة ـ تصف رجالا من انحاء فلسطين يتوجهون الى القدس شباناً وشيوخاً ـ كلهم مسك بعصا قلّما بيده وهم يجهلون غاية الكهان في استقدامهم الى الهيكل .
الكهان في انتظار معجزة
ذلك ان كهان الهيكل عقدوا العزم على ان يجدوا زوجاً جديراً بمريم الفتاة الطاهرة .
ويضع المتقدمون عصيهم في الهيكل على ان يتسلموها غداة ذلك اليوم . وكم خابت آمالهم لان ثمة معجزة لم تحصل ـ الا ان احدهم لم يرجع لتسلم عصاه فبعث الكهان بمن يقتفي اثره في الحانات ، حتى وجدوه على ابواب الناصرة ، لم يضيع كبير امل في ان يكون المحظى . واذ اعطاه الكهان عصاه وهمّ هو بتسلمها تطايرت من بين اصابعه حمامة ناصعة البياض ...
وطالت ايام الخطبة كما هي العادة عند العبريين ، في بلدة الناصرة التي لا تصحو من سباتها اليومي في الصيف الا عند الاصيل حين ترد النسوة والفتيات الماء .
على حافة البئر
وتشغل مريم يوماً ببعض الاعمال المنزلية عن ورود الماء . وتصلها متأخرة وقد بدأ دخان المواقد يتعالى في الغسق وتنحني الصبية على حافة البئر واذا بنور ساطع يبهرها فتتراجع لترى امامها ملاكاً مطوي الاجنحة يقول :
السلام عليك يا مريم يا ممتلئة نعمة
الرب معك . مباركة انت في النساء مباركة ثمرة بطنك يسوع المسيح .
فيأخذ الفتاة العجب وتصيح في وجه الملاك ان ذا كلام فارغ طالما هي لا تزال طاهرة . فينبئها الملاك بان الله قام بمعجزة من اجلها وانها ستصبح اماً دون ان تدنسها الخطيئة ...
وتكون مريم على وشك الوضع عندما تصدر السلطات الرومانية امراً باحصاء اليهود .. فحتم على يوسف ان يتوجه من الجليل الى بيت لحم مسقط رأسه في ارض يهوذا ، ويسرج النجار دابته استعداداً للرحيل فتبدي مريم رغبتها في ان ترافقه خوفاً من ان تضع في غيابه . فيقبل الرجل وتمتطي مريم الاتان ويمسك يوسف بزمامها وينطلقان .
واليوم اذا سرت من ارض الجليل الى ارض يهوذا تذهل للفارق الشاسع بين طبيعة البلدين بين ارض الجليل الخضراء وفلاة يهوذا الجدباء !
وقد تخيلك ، في فلسطين المشاهد

