كان الامير فخر الدين المعني الثاني كبيراً ، بكل ما في الكلمة من معنى الكبر : كان كبيراً بقلبه وروحه وارادته ، كبيراً بجرأته وحنكته ودهائه ، كبيراً بحلمه ورفقه وعدله ، كما انه كان كبيراً ايضاً بجزمه وشدته وبطشه .
وكان عيناً لا تنام سهراً على رعيته ، ويداً تنتصر لضعيفها على قويها ، وتعاقب المعتدي مهما تكن منزلته ، حتى ولو كان من اقرب الناس اليه .
ومن الادلة على ذلك قصتنا التالية :
كان الشدياق رعد ، ابن الشدياق خاطر الحصروني ، متولياً جبة بشراي ، الى العام ١٦١٣ ، ومات في هذا العام مسموماً ، وتولى مكانه المقدم ابو عاشينا شلهوب ، وبين موت الاول وتولي الثاني صلة تؤلف مأساة ، من أروع مآسي التاريخ اللبناني .
وفتش في هذه المأساة عن المرأة .
ومرأة مأساتنا كانت ست البنات ، زوجة الشدياق رعد المذكور .. فالتاريخ يروي ان هذه المرأة كانت بارعة الحسن ، كثيرة الطيش والاعجاب بنفسها ، وعبثاً حاول زوجها ردعها عن ذلك ، الى ان تجاوزت حدود الكرامة ، وانتهكت حرمة الشرف ، فرأى اذ ذاك ان يشكوها الى اخيها .
وكانت ست البنات من الاسرة العنجلانية ، واخوها جمال الدين يوسف العنجلاني ، وقد حكمت اسرتها الجبة
زمناً ، واشتهرت بفريق من بنيها ، ومنهم المقدم عاشينا بن حسام الدين العنجلاني .
وأثرت الشكوى بالأخ ، فعنف اخته تعنيفاً قاسياً ، وحذرها من عقبى التمادي في الغي وفي تشويه سمعة اسرتها .
وعرفت الشقيقة ان زوجها وشى بها ، ولم تطق تعنيف الأخ وقسوته ، فأضمرت للاثنين الحقد ، وراحت تتحين الفرصة للكيد لهما .
وكان المقدم شلهوب ابو عاشينا المتقدم ذكره طامعاً بقدمية الجبة ، ولم يكن يجرؤ على مزاحمة الشدياق رعد ، زوج ست البنات ، عليها ... وكان يعلم من جهة اخرى ان جمال الدين ، اخا ست البنات ، يطمع هو ايضاً بها .. فكان عليه ان يزيح الاثنين من دربه ، ليخلو له الجو ، ويتمكن من نيل امنيته .
وآتاه ما كان من امر ست البنات وزوجها ، فراح يتقرب منها جاهداً ، الى ان حل من نفسها المحل الذي اراد ، وبات له من السلطان عليها ما يحملها على الائتمار بأمره ، حتى اذا علم بما تضمر لأخيها وزوجها من الحقد ، وجد الفرصة التي ينشدها قد سنحت ، فأخذ يوغر صدرها على الاثنين معاً ، ويزين لها الغدر بهما .
وفي مساء يوم ، تناول جمال الدين العشاء مع صهره ، وكانت ست البنات تقوم بخدمتها ، وأوى كل منهما بعد العشاء الى فراشه ، وكان رقادهما في ذلك

المساء ابدياً ، لان الزوجة والاخت المجرمة دست لهما السم في دجاجة هيأتها خصيصاً لذلك .
وهكذا انتقمت تلك المرأة من زوجها وأخيها .
وفسحت مجال الحكم لحبيبها وشريكها في الجرم .
وتولى ابو عاشينا شلهوب المقدمية ، بأمر يوسف باشا سيفا ، حاكم ولاية طرابلس ... وشعر بان اخوة رعد - وكانوا ثلاثة : نعمه ، وداود ، وجرجس - يعملون لاستعادة الحكم منه ، فسعى بهم لدى الباشا ، وكان هذا ممن قام حكمهم على السعايات ، فأمر بقتلهم تغريقاً وخنقاً .
وخلا الجو لشلهوب .



