وحين جلسنا ، بعد تناول القهوة ، في غرفة الاستقبال ، اقترح الامير ان نشاركه في لعب الورق ، وصدف ان كنت محظوظة ذلك المساء الى حد لفت الانظار ، خاصة وانه كان الى جانبي .. كانت ثلما يقرب الغرامافون تشرف على اختيار الموسيقى ، واذا بها تقترح الرقص ، فأشرق وجه الامير ، وهو يوافق على الاقتراح ، ثم اشار على الجنرال تروتر بان يطوي السجاد ، ومد ذراعيه يدعو ثلما لتراقصه .. ثم راقصني وراقص كوني باختصار ، واختبرت بانه راقص بارع ، لكنه فجأة بدا تعباً ، فوقف في وسط القاعة ونظر الينا وهو يقول : بما انها زيارتكم الاولى الى القلعة ، اود ان اخبركم عن القوانين هنا .. ليس هناك اثر لأي قانون ... اسهروا ما شئتم وانهضوا ساعة تشاؤون .. هذا مكان تغيير وراحة . وبناء على ذلك انصرف باكراً الى فراشه حتى يستيقظ نشيطاً ويعمل في الحديقة .
بعد ان انصرف الامير ، انفرط عقد السهرة .. وحين أويت مع ارنست الى غرفتنا تحدثت اليه عن تعجبي ودهشتي
من هذه الحياة التي يتبعها الامير ، فليس فيها اثر لما سمعته عن الامير العازب الذي لا ينام قبل الفجر ، الا ان ارنست اكد لي بان مجرد مجيء الامير الى القلعة ، برهان صارخ على الجانب « البوهيمي » من حياته ، فهو لا يأتي الا ليهرب من حياة القصر الرتيبة ، ومن « الروتين » الممل .. لكن جوابه لم يقنعني ولم يجب تساؤلي عن حياة هذا الامير ، والتي رأيتها مجموعة متناقضات ، انه مرح حيناً وحزين احيانا اخرى ، تنجلي شخصيته لحظة ، لتختفي ساعات ضمن نقاب كثيف .
كان الصباح متمما لليلة امس ، وحين احضرت الخادمة طعامنا ، اخبرتنا بان الامير تناول فطوره قبل ساعة ، وخرج الى الحديقة .. وحين نزلت مع ارنست الى غرفة الاستقبال ، لاحظت شخصاً يقترب من بعيد ، بين اشجار الحديقة وفي يده سطل ومقص وفراعة .. لقد كان الامير ، مع كلبيه « كورا » و « جاكز » يقفزان مرحين حوله ..
كنت مستعدة لتقبل اي شيء جديد ، لكن ارنست لم يكن كذلك ، ولهذا فاجأه الاقتراح الذي تقدم به الامير .. فقد دعا الضيوف لمساعدته في قطع اغصان « الغار » التي تعرقل نمو الغرسات الاخرى ، والتي يدعوها عدوته اللدودة ، والتي لن يتوقف عن مكافحتها حتى ولو كلفه ذلك آخر صديق .
حين صعد ارنست ليبدّل ثيابه ، اخذني الامير الى الشرفة ، لأشاهد امتداد الاراضي المحيطة بالقلعة ، وعلى بعد شاسع ، شاهدت بحيرة صغيرة تعرف باسم « مياه فرجينيا » ... وعرفني على الاشجار المختلفة ، والغرسات التي زرعها بيديه ، وكان يذكر من حين لآخر ان المكان هذا ، ليس جميلاً بالنسبة لمقاييس الجمال في لندن ، الا انه الجنة بالنسبة له ، وكأنه انتبه الى نفسه ، وفكر بانه افاض بالحديث عن الاشياء الخاصة المحببة اليه ، فعاد يعتذر وهو يقول بان لا داعي لأن يزعج سواه بهذه الاحاديث . وكان الضيوف قد وصلوا بمعداتهم ، وقد بدا الجميع ،

