«موريتانيا» في شهر آذار، وقبل ان نصل الى جزيرة «وايت» ابصرت رسولا يهرع الينا، وبيده برقية، بامضاء ادوارب .. يرجو لنا سفرة موفقة، وعوداً قريباً الى انكلترا .. وتحققت بعد ذلك، من الاحترام الذي احاطه بنا، والعناية الفائقة التي كان يبذلها لنا ربان الباخرة ومعاونوه، ان الجميع يحسبوننا مبعوثين رسميين من قبل الملك، الى اميركا .. وهنا لا يمكنني ان انكر فرحي وابتهاجي بذلك الخبر الوهمي.
بقينا شهرين في اميركا، استعدت خلالها كثيراً من الصداقات التي كدت افقدها، لبعد المسافة؛ وفي اواسط ايار، وصلنا الى لندن ... وعادت الحياة السابقة، مع زيارات كثيرة الى القلعة.
يصادف يوم ميلادي في ١٩ حزيران، وكانت مفاجأة كبرى اعدتها لي ثلما والامير في ذلك العام، اذ اقاما على شرفي حفلة عشاء في مطعم «كواكلينو» الشهير، قرب شارع «جرمين»، وقد اهداني الامير قارورة غرست فيها شجرة «اوركيد» اكد لي انها تبرعم في العام المقبل اذا تابعت عنايتي بها باخلاص .. وبالطبع حفظت الوصية، وكان الامير قد اصبح زائراً مدمناً، يطل علينا دون سابق انذار، وفاجأتنا الشجرة بازهارها الرائعة في الوقت الذي كنا نتوقعه، وبدأت اشعر بانها رمز لشيء لم انتبه له مطلقاً ... اذ كنت افكر، مع ارنست، كيف نرد للامير هذا اللطف، والعطاء؛ واقترب الرابع من شهر تموز، وفيه يحتفل الاميركيون المقيمون في لندن، وفكرنا ان نقيم حفلة على شرف الامير، وكتبت الدعوة بيدي،
وبالطبع قبلها دون تردد.
وكنت قد بدأت اعرف، بعض الاطعمة التي يحبها الامير، فهو يفضل الاطباق البسيطة، وجعلت العشاء على الطريقة الاميركية، وجلس الامير على رأس الطاولة، وارنست في الطرف الآخر، وهكذا سار كل شيء على ما يرام، وابدى الامير سروراً كبيراً بالعشاء.
لم يمض وقت طويل قبل ان قمت بجولة مع ارنست الى ايرلندا، ونروج، ثم عدنا الى لندن في اواخر ايلول ... ولم نكد نصل حتى تلقينا دعوة من الامير لنصرف عطلة نهاية الاسبوع في القلعة؛ وكان قد غاب خلال الصيف، الى بياريتز؛ وكنت قد فهمت، آنذاك، ان ما يجذبه الينا هو ذكاء ارنست، وسعة اطلاعه، اما انا، فلم اكن اكثر من عضو، بين افراد كثيرين، يؤلفون اصدقاء ثلما .. وتختار هي دعوتهم الى القلعة ساعة تشاء.
وكان الامير ما يزال اسطورة غامضة بالنسبة لي، تحيطه هالة كثيفة، يحافظ كثيراً عليها، ويخشى ان يقربها احد.
كنت ارى ثلما كثيراً، وكنا نتغدى معاً، ولكن بقي بيننا حجاب غامض، فقد كانت علاقتنا مجرد صداقة سطحية؛ وفي يوم دعتني الى كوكتيل بمناسبة سفرها الى اميركا، وأسرت في اذني، عند نهاية الحفلة، بان اعتني بالامير خلال غيابها، اذ سيكون وحيداً، الا اني كنت اشك بوحدة الامير ... او بحاجته الى رفيق.
بعد بضعة ايام، فوجئت بوصيفتي،
تركض إلى غرفتي، وهي تقول بان امير ويلز يرجو ان يكلمني على الهاتف ... وكانت المرة الاولى يتصل بي بنفسه، ودعاني مع ارنست الى مأدبة عشاء يقيمها في «دورشستر» على شرف صديقين اميركيين هما فريد وجيبي بايت ... لا ازال اذكر ذلك العشاء لسبب خاص، وهو ان الامير، كشف جانباً من قناع نفسه، وبينما انصرف المدعوون للرقص، راح يتحدث الي عن مملكته، واعماله الواسعة، والتشتت الذي يحسه، ثم اهمية الدور الذي تلعبه الامبراطورية في هذا العصر ... كان ذلك رائعاً، وجعلني اطل على وحدة عميقة، وعزلة روحية لا يعرفها عنه احد. وعاد يعتذر عن ازعاجي بهذه الاحاديث التي لا تتعلق بي، ولكني رجوته بان يتابع التحدث عن نفسه، واصغيت اليه بكليتي .. وبينما كان ينظر الي نظرة فاحصة متسائلاً عن مدى اخلاصي، توقفت الموسيقى، وتحلق المدعوون حول الموائد، واذا به يقول : «واليس، انك المرأة الوحيدة التي اظهرت اهتماماً لعملي» ... وحين

