انه فلاح بسيط ؛ واحد من سكان القرى اللبنانية المعلقة كحبات الدر فوق صدور الجبال الشماء ..
كان يسير ذلك المساء نحو منزله الوضيع يحرسه موكب من الحيوانات الامينة التي تدير عمله .. وتؤنس وحشته خلال ايامه الطوال في الحقول ..
لم تكن تلك الليلة كباقي لياليه ، انه يسمع من بعيد قرع اجراس القرية الصغيرة ، ويستشعر فرحة يكاد لا يتسع لها صدره .
ويتابع مسيره ؛ عينه في الارض ، وحذاؤه الثقيل يدغدغ التراب .
ها هو يقترب من باب كوخه ، وصوت الاجراس ما يزال في اذنيه وقد بدأ يختلط باصوات الصبية المرحين .. لقد كان مثلهم قبل سنوات ، ولكن لا بأس ، انه ما يزال بينهم . او لا يكون اولاده الصغار بعض هؤلاء ؟ . اذن لا يخشى على نفسه من الهرم ولن يداخله الخوف من الزوال ، طالما هذا الجيل الجديد ابداً يحمل مشعل الحياة ..
ها هي ام اولاده تطل مرحبة لتمسح الغبار عن كتفيه ، وتتحسس خديه الخشنين وانامله المشققة ، ثم لتأخذ عنه المعول ، و « الدورق » ، وكيس « الزوادة » وتدخل بها الى الدار ..
- « ها الماء الساخن بانتظارك .. وكذلك العشاء الدسم .. انها ليلة الميلاد . »
اجل ، كاد ينسى حتى قرع الاجراس
المرحة ، ساعة اطلت هي ، بوجهها الطاهر المبارك ... وجه ام بنيه ..
قد اعدت له كل ضروب الطعام ، والحلوى ، كله من خير حقله .. من قمحه ، وزيته ، وعنب كرومه .. ارضه ابداً تزخر بالخيرات ، ما دام جبينه ينضح بالعرق ..
ولما احاطت الاسرة بالمائدة ، تلك الليلة سكت قرع الاجراس ، وخفتت
اصوات الصبية ، ثم اطبق سكوت رهيب على المنزل ، وحتى العاصفة المدوية في الخارج ، خرست . الليلة تستكين العواصف ، ويهدأ الصراخ ، وتسجد الاشجار .. هكذا ، كما سجد الفلاح وزوجه واولاده حول مائدة الطعام .
وفي الغد لن يمضي الى حقله فبامكانه اذن ان ينام حتى ينتصف الليل .. ويسجد مع الاشجار .


