يخطيء من يقول إن السعادة العائلية مستحيلة على الجميع وإنها وقف على فريق من الازواج والبنين دون الآخر . ويخطيء كذلك من ينادي قائلاً إنها وليدة الظروف العابرة او ضرب من الحظ يحالف البعض ويتنكر للفريق الآخر . فهذه الفئة من المتشائمين قد ختم على بصرهم الجهل وغشيهم اليأس ، فضلّوا الطريق السوي وفقدوا نصيبهم من متع السعادة الزوجية ومباهجها الحقة .
وهناك اسطورة تقول ان السعادة تزور كل بيت مرة على الاقل . فان وجدت فيه الظروف ملائمة بقيت فيه وان وجدتها معاكسة ولّت عنه مدبرة ... والحكيم من انتهز الفرصة واستعد للحفاوة بها بتوفير العوامل الرئيسية في خلق البيت السعيد .
والبيت السعيد يا سيدتي اكثر ما تقوم دعائمه على المحبة والتسامح والتعاون والاخلاص . ولست اقصد بالمحبة ذلك الشعور الاهوج الذي يستعر فجأة ويخبو لهيبه في طرفة عين بل انما اعني ذلك التوافق الروحي ، والامتزاج الشعوري ، او ذلك الاحساس العاطفي النبيل ، الذي يرتقي بصاحبه فوق مستوى الفردية ، فيربط حياته بحياة من يحب ويوحّد الهدف بينهما الى نهاية بلذ لكل فرد من افراد الاسرة ، ان يبذل من نفسه كثيراً ، ليتمكن الآخر من بلوغها . والمحبة هي العين السحرية التي تحيل المرئيات الى ما نشتهي ، فتذلل الصعاب ، وتهون المشقات ، وتعين النفس
على احتمال الالم في سبيل سعادة من نحب . والمحبة الخالصة شعور هادىء ، يتولد بالمعرفة الوثيقة قبل الارتباط بالزواج ، ويقوى بالاطمئنان الى وفرة الصفات الادبية والمحبة ، وترتقي بالزوجة الى اكثر من مجرد امرأة ، فتجعل منها صديقة ورفيقة ووكيلة أمينة على النفس والفكر ، والمال والبنين .
وقد تكون المحبة على وفرتها غاشية ، فتتحطم على صخرة الحياة الخشنة ، ذات البروز الحادة والندبات العميقة . فكأن البيت السعيد لا يقف على المحبة وحدها ، انما يلزمه ان تتبعها روح التسامح بين الزوجين . والتسامح لا يتأتى بغير تبادل حسن الظن والثقة وتوافر الرغبة في الهدوء والاستقرار .
وقد نوفق في بيوتنا كثير ، اذا آمنا باننا بشر ، والبشر عرضة للخطأ . فليس مستغربا ان يحيد احد الزوجين عن الصواب في قول او فعل ، انما الغريب حقاً ان يتبنى خطأه فلا يعترف به او يعمل على اصلاحه . والغريب ايضاً ان يضيق صدر الآخر بالاخطاء ، فيدفنها في نفسه ويبني منها على مضيّ الايام بركاناً لا يلبث ان ينفجر فيودي بهدوء البيت واستقراره .
والتعاون عامل رئيسي في تهيئة البيت السعيد ، وبغيره تضعف قيم المحبة والتسامح فان لاحكام العقل والمادة اثرها في تسهيل مهمة الاسرة أو تعقيدها والتعاون لا تكتمل رسالته السامية الا اذا كان متبادلاً حتى يشعر كل من الزوجين
انه ليس رئيساً وحده لبيته ، او حاكما مطلقاً في أسرته ، انما هو شريك لا اكثر ولا اقل ، فان اراد ان يصل بمصالحه الى بر الامان فعليه ان يعطي بقدر ما يأخذ ، ولا يطلب اكثر مما يستحق .
والتعاون يكون أدبيا وماديا ، ويتمثل الاول في حسن استعداد الزوجين لحل ما يواجه الاسرة من مشكلات ، وفي حرصها على الوصول الى نتيجة مرضية مهما بلغ الثمن . فمعظم الشقاء ينشأ عن عدم تقدير احد الزوجين لمتاعب الآخر او ميله الى تعزيز حقوقه على حساب حقوق غيره . فالمسؤولية نحو الاولاد مثلا مشتركة متبادلة وعلى الرجل ان يقوم بنصيبه منها بقدر ما تقوم المرأة بنصيبها ايضاً ، دون تواكل او تعصب او أثرة .
اما التعاون المادي فيتمثل في العمل على ضغط كيان الاسرة الاقتصادي ومهمة الرجل ان يكدح ويكد ثم يضع رزقه رهن اشارة الاسرة التي بناها راضياً مختاراً . ومهمة المرأة ان توفق بين رزق زوجها ومطالب ملكتها ، فتقصر النفقات على ما يوازي الدخل وتستغني عن الكماليات اذا لم تسمح بها موارد البيت .
وعلى كل حال فالسعادة ستكون من نصيبنا اذا عرفنا ان الحياة كتاب ضخم الصفحة فيه كل يوم قائم بذاته ... فعلينا ان نفتح كل صباح صفحة جديدة مشرقة ، بيضاء في رغباتها واهدافها ، نقية من شوائب سابقاتها . وليس اجمل من ان نروض انفسنا على التخلص من متاعبنا أولا بأول ، حتى لا ندع للهموم سبيلاً الى تعكير مرحلة جديدة من حياتنا ، فأقل ما يذكر من فوائد ذلك اننا نمنح انفسنا فرصاً متجددة ابداً للسعادة والهناء وراحة البال .
