برأس فتاة سمراء يطل علينا من خلف الزجاج ، يرحب بالبسمة المشرقة والعينين السوداوين « يغزلان غزلاً » - ( على حد تعبير جبران ) وتفتح الباب لنا قائلة : - تفضلوا ايها السادة ، في الداخل كتب ومجلات كثيرة ، ويمكنكم ان تنظروا من قريب وتطالعوا ، دون الاضطرار الى الشراء .. وعندنا كذلك تخفيضات عشرة بالمئة ..
دخلنا بالطبع ! فاذا مع السمراء فتاة اصغر منها سناً ميالة الى الشقرة ذات طلة فاتنة وشعر متهدل على كتفيها في دلّ انثوي فطري ... وتقدمت الشقراء نحونا مستطلعة تسألنا بلهجة طفولية : - « هل انتم اسبان او طليان ؟ » - اجاب جبران باللهجة نفسها مشيراً بيده الى بعيد : - « نحن من هناك ... من لبنان . بالقرب من اورشليم ... ومن السماء ! »
هتفت الفتاتان معاً لدى سماعها جواب جبران وهلل وجه الصغرى وهي تقول : « آه اورشليم ! نحن يهوديات من رومانيا .. جدّنا في اورشليم ، هاجر اليها منذ سنوات ، لكي يدفن ، بعد موته ، في الارض المقدسة ، ويصعد بسهولة الى حضن ابراهيم ! » وبدت في ضحكتها رنة هزء سافرة حبيبتها الي . فقلت لها مشتركا معها في الضحك : - بعد عمر طويل ... اطول من عمر متوشالح ! .
وتم التعارف .. الكبيرة سوسان فوق الخامسة والعشرين - من عمرنا - والصغيرة ليّا حول الخامسة عشرة .. ولما عرفت سوسان اننا نهتم بفن التصوير سألتنا : - اي نوع ؟
- لا نزال ميالين الى النوع الكلاسيكي ... قالت على الفور :
- لم يعد عليه طلب .
وانبرت تشير الى رسوم لوحات هنا وهناك ، البعض منها « كوبيسمي » وغيرها لم اكن ادري ما اسمه - يبدو فيها جسم الامرأة « ملولقاً » مشوهاً كما لو كان ظاهراً في مرآة مقعّرة او نافرة بقصد التمسخر » -
دللت باصبعي على واحدة كثيرة « التلولق » وسألت ليّا وقد توسمت فيها روح النكتة : - هل هذا رسمك ، ايتها الآنسة ؟ وهل هذه تكاوين جسمك تحت الثياب ؟!
ضحكنا جميعاً الا جبران فقد عبق وجهه بالدم - دم الغضب - واستلم هو الكلام
ومن نوع آخر مشيراً بعصاه الى الرسوم: - هل نسي هؤلاء الفنانون المجانين امهاتهم واخواتهم وحبيباتهم ؟ او انهم فقدوا كل شعور ؟ وكل وزن ؟ كي يبهدلوا ، هكذا ، جسم الامرأة ... المقدس الالهي ؟
كان يتكلم بجدة ، وليا مشدوهة لا تدري ماذا تقول ... فقاطعته سوسان محاولة ان تخفف من غيظه ، وتشرح له الناحية الاقتصادية : « هذا النوع عليه طلب » ... وكمل جبران عظته كأنه لم يقتنع بهذا التعليل ، وكأن سوسان تمثل كل اهل الفن !:
- من العصر الحجري الى هذا الزمان والفنان يتغنى بجسم المرأة - بالجمال - باي جمال . فهل هذه آخر انشودة ؟ ليس الفن للتجارة ايتها الآنسة .
دخل في هذه اللحظة شاب طويل القامة جميل الطلعة عرّفته سوسان بصاحب المكتبة ، نسيب لها . ومد الرجل يده مسلماً ومعرفاً نفسه :
- كالمي
- جبران ..
وكملت الصغيرة ليا مقلدة بيدها حركة جبران : « من هناك ... قرب اورشليم » لم نضيع الوقت . دخلنا حالاً في الحديث عن الصور والتصوير . ولما ظهر لكالمي اننا ما نزال ميالين الى النوع الكلاسيكي ، كرر جملة سوسان : « لم يعد عليه طلب ! »
مال جبران عنا يستعرض الكتب بتأمل وصمت ، وانتحى كالمي بي يسالني اذا كان بالامكان مشاهدة اشغالنا الفنية ... فاخبرته ان محلي على بعد خمس دقائق على الاقدام ، وامامنا متسع من الوقت .

