نوراً على قصته، كانت ولا شك مفتاح الباب الذي وجبت بعدئذ منه إلى تفاصيل القصة وملابساتها إن كانت هناك ملابسات ... وهذا ما جاء في الورقة:
«كل ما أعلم عن ماضي حياتي أنني استيقظت في أحد الأيام وأنا في سرير كنت نائماً فيه وشاهدت شخصاً يرتدي ثوباً أبيض يقول لي: أنا الدكتور أدوار عازوري طبيب مستشفى دير الصليب وسألني هل أستطيع أن أتذكر مذ متى دخلت المستشفى، ولكنني لم أتمكن من الإجابة لأنني لم أعد أذكر شيئاً عن ماضي حياتي، ثم قال لي الدكتور عازوري أنت هنا يا بني منذ شهرين وقد كنت أقوم على علاجك من صدمة نفسانية أصابتك عندما وقع الفيضان في طرابلس، ولكنني لم أذكر شيئاً ما يقول. وبعد ذلك قامت إحدى ممرضات المستشفى وهي الأخت جان بملازمتي والإشراف على صحتي وتعليمي اللغتين العربية والإنكليزية، وبعد مدة زارني ثلاثة أشخاص ذكر لي أحدهم أنه عرفني في المستشفى بطرابلس بعد الطوفان ولكنني لم أتمكن من تذكر أي شيء عن ذلك فقد محيت كل هذه الحوادث من ذاكرتي محواً تاماً.
والآن لقد أطلق علي اسم أحمد شوقي وأنا في حالة عوز وضيق وأني أرجو أن أجد من يرأف لحالتي ويساعدني على توجيه حياتي الوجهة الصحيحة القوية أما لجهة الدرس أو العمل لتأمين معيشتي اليومية، لا سيما للحصول على تذكرة هوية لا تمكن من إثبات شخصيتي وطرق باب العمل بموجبها.
كما أرجو أن يشملني فخامة رئيس الجمهورية المعظم بعين رعايته وعطفه
فيأمر بمنحي الجنسية اللبنانية ويوفر لي سبل العيش الكريم الشريف، ولي الأمل العظيم في ذلك».
XXXX
ليلتها لم أنم ... كيف كانت تلاحقني في الظلام نظرات أحمد المعبرة المتوسلة، ولهجته المؤثرة وهو يقول لي بتهذيب: «ساعديني يا سيدتي، رجوتك ساعديني!» - كيف لي أن أساعده؟! كنت أفكر حيناً وأصلي حيناً آخر، ثم أعيد تلاوة الورقة. ولما طلع الصبح كنت قد
وضعت برنامجاً، أبدأه بزيارة الدكتور أدوار عازوري، أول اسم ورد في الورقة - وهو طبيب الأمراض النفسية والعقلية في مستشفى دير الصليب - وقد كان لطيفاً وسهّل مهمتي حالما علم أنها متعلقة بأحمد، ولما رأى تلهفي واهتمامي بادرني وهو يبتسم: عجيب أمر هذا الصبي. كلنا نحبه. أعني كل من وقف على علاجه أو خدمته - وله قصة طويلة ممتعة بدأت في طرابلس ولم تنته بعد، وسأدلك يا سيدتي على من تحسن سرد وقائعها وتفصيلها خيراً مني ولديها التقارير الثبوتية لكل ما تقول .. هي الآنسة رينه عرمان. المسؤولة في جمعية الصليب الأحمر اللبناني، هذه رافقته شهوراً ولم تكتف بخدمته ضمن دائرة واجبها، بل احتضنته واستضافته في بيتها مدة ... أما أنا فسأراجع ملفه الخاص في المستشفى وأجيئك في الغد بخلاصة ما عملنا له من حيث معالجته النفسية وتطورها ...
شكرت الدكتور عازوري وودعته على أن نلتقي في الغد، ورحت أسعى لموعد قريب مع رينيه عرمان ... ماذا عسى ستكشف لي هذه الآنسة الكريمة عن أسرار أحمد؟ من أبواه وأهله؟ هل بذلت مساع للبحث عنهم؟ أليس من سبيل لتأمين العيش الكريم لهذا الفتى اليافع؟؟ ومعالجته لاسترجاع ذاكرته؟! إنه يستحق العطف والخدمة .. إنه نبيل الطلعة جذاب ... هذا ما كان يتردد في خاطري وأنا في طريقي إلى البيت ... والأجوبة على هذه الأسئلة في العدد القادم ... فإلى اللقاء !!
