اثبت التحري الوبائي ان الجدري قد وفدت الى لبنان هذه المرة من العراق بدليل ان الدوائر الصحية العراقية قد اعلنت عن وقوع هذا الوباء فيه. ولكنها لم تعلن عنه مع الاسف الا بعد ان كانت العدوى قد امتدت الى لبنان عن طريق المسافرين. واغلب الظن ان العدوى لم تنتقل بواسطة شخص مصاب بل بواسطة شخص حامل للجرثوم او بواسطة امتعة ملوثة.
وقد ظهرت اولى اصابات الجدري في ١٩ كانون الاول الماضي وفي ٢١ منه ضبطت فتاة عراقية مجذورة قادمة من الموصل في احدى كاراجات العاصمة فحجرت عليها الدوائر الصحية في المستشفى فوراً. وبعد يومين اشتعل الوباء في محلة الكرنتينا والمسلخ وبلغت الاصابات في يوم ٢٨ كانون الاول وحده ٤٠ اصابة.
منذ الاصابة الاولى هرعت وزارة الصحة وبلدية بيروت الى تطبيق الانظمة الصحية المعروفة فضربت نطاقاً حجرياً على منزل المصاب وطهرت المنزل ولقحت اهله وجيرانه وسكان المحلة التي ظهرت فيها الاصابة - حوض الولاية - وسكان الاحياء المجاورة المزدحمة بالسكان كالباشورة وزقاق البلاط والمصيطبة. ولما اتخذت الاصابات شكلاً وبائياً سارعت وزارة الصحة الى استصدار
مرسوم جمهوري يقضي بالتلقيح الاجباري على جميع السكان في جميع الاراضي اللبنانية.
بدأت الوزارة التلقيح الاجباري العام يوم ٢٩ كانون الاول ١٩٥٦ وفي ٦ كانون الثاني سنة ١٩٥٧ اي بعد ثمانية ايام من تعميم التلقيح في بيروت والمناطق بشكل واسع سريع لم تشهد له البلاد مثيلا من قبل انطفأ لهيب الوباء وهبطت الاصابات الى الصفر.
ثم اخذت اصابات قليلة تظهر في اماكن متفرقة في الجنوب وطرابلس ولكن التحقيق اثبت ان هذه الاصابات كانت متسللة من بؤرة الوباء الاولى - الكرنتينا والمسلخ - .
بلغ عدد الاصابات حتى كتابة هذه الاسطر ١٨٠ اصابة والوفيات ٣٧ وشفي ٦٠ شخصاً غادروا المستشفى ومنذ يومين لم تقع اصابة جديدة في اية منطقة من الجمهورية اللبنانية. وستعلن البلاد نظيفة من الوباء حين ينقضي ١٤ يوماً على آخر اصابة.
بلغ عدد الملقحين حتى اليوم مليوناً ومئة وعشرين الف شخص بموجب لوائح محفوظة في سجلات الوزارة هذا عدا الذين تلقحوا لدى اطبائهم الخصوصيين والذين يقدر عددهم بنحو خمسين الف شخص وسيظل التلقيح مستمراً الى ان يتم
تلقيح لجميع السكان في كل قرية ومزرعة في لبنان. على ان حملة التلقيح الاجباري ستختم في نهاية هذا الشهر حيث يكون جميع الناس قد لقحوا.
تنتقل الجدري بواسطة جرثوم لا يرى باقوى المجاهر (فيروس « Virus ») ويكمن « الفيروس » في جميع افرازات المصاب وفي جلده بوجه خاص ابان دور الاندفاعة الجلدية المعبر عنها بالبثور التي تأخذ اسماء مختلفة بحسب تطورها في شكلها ومادتها فهي في البدء حطاطات ثم حويصلات مائية ثم قيحية ثم قشور تتساقط. والقيح والقشور غنية بالفيروس لذلك يعتبر دور التقيح والتقشر اخطر ايام العدوى.
ويدخل الجرثوم الى الجسم عن طريق المسالك التنفسية العليا كالأنف والفم. ويظل الجرثوم كامناً في الجسم من ٨-١٤ يوماً حتى تبدأ العلامات السريرية في حين ان اللقاح يعطي الجسم مناعة بعد مرور ٨ ايام. اذن فهناك سباق بين المرض والمناعة. وكلما اسرعنا في التلقيح وكسبنا الوقت سبقنا المرض ووضعنا امامه حاجزاً من المناعة لا يمكن ان يتعداه في الغالب فاذا تعداه ظهرت الاصابة بشكل خفيف لا خطر منه.
كنا نعرف هذه القاعدة ونعرف ان النصر في هذه المعركة الناشئة بيننا وبين الجدري معقود على الاسراع في التلقيح وحمل المناعة الى اجسام الناس في غضون ثمانية ايام قبل ان يبلغها هو في مدة اقلها ثمانية ايام واكثرها ١٤ يوماً.
لقد احضرنا اللقاح من كل مكان: من بيروت وسوريا وفرنسا وسويسرا، كانت السيارات والطائرات تعمل ليل
