من فرائض السياحة وخاصة «المدعية» منها زيارة المتاحف .. وهي خزائن الماضي وواجهاته ...
المتاحف .. يدخلها الزائر بفضول وتحفظ مرتبك فيخيل اليه ان كل ما فيها يصرخ بالزمن .. بالتاريخ .. بالزائر .. بالذاكرة : قفوا ! ففي المتاحف وحدها ينتصب ابن الماضي البار شاباً معززاً مكرّماً ! ..
وبيتر تشايكوفسكي من شبان الماضي .. من هؤلاء الذين لم يخطفهم الموت من عالم الوجود .. فهذا الموت وان صرع الجسد هو محك الحياة ..
من بعيد تحييك زائراً موسيقى تشايكوفسكي فتعطر اجواء «كملين» تلك القرية الصغيرة في ضواحي موسكو حيث التجأ فناننا وعاش بعيداً عن الصخب .. الفارغ ! ..
بيت الفنان غني عن الوصف فهو طبعاً غير واجهات الاثاث عش للجمال الامين في غرفه رحابة وفي نوافذه لوحات من طبيعة متحركة .
وفي الحديقة عشرات من المتنزهين ترافق خطاهم ألحان لا تسترد ... قال لي واحد من اهل «كلين» ان ألحان بيتر غدت منا وفينا . فتذكرت ما كان يقوله تشايكوفسكي دوماً «علي ان ابقى لبلادي مبعث شرف ولاخواني منبع رجاء» . كل هذا الاندفاع الطيب سخّره للحن الخالد المخلد .
ولا بد ان يستوقف العين «بيان» الفنان الاليف وعليه استعرض وعرض تشايكوفسكي النغم الجنين واللحن المولّد لينال الجواب الاول .
مكتب تشايكوفسكي قريب من «البيان» وقد سمّرت عليه بعض الاوراق .. ذات السطور المزركشة بنوتات دوّنها قلم عصي حاد . وما ادراك سرّ هذه الرموز لعلها تحليقة في اوبرا او قرار في سمفونيا وما اكثر حصد تشايكوفسكي في الموسيقى .. ويقال ان اقرب تأليفه الى ذاتيته واعماقه السيمفونيا السادسة .
بيت الفنان يجذبك فيه دوماً ذوق متجدد او طابع متوحّد
وتجد هذا عند تشايكوفسكي في صحون السجائر الموزعة في كل مكان وفيها كان يسحق اعقاب سجايره الكثيرة وهو يتجول بعصبية وينتقل من غرفة الى غرفة يلم من قريحته اشتات نغم جديد... وتجد الطابع المتميز ايضا في الجدران المزدحمة بالصور الكبيرة والصغيرة الشاحبة والملونة صوّر الطبيعة والاهل والاحباب والاصدقاء وأعزهم الاخوان روبنشتاين ، انطون ونيقولا مدربه ومشجعه .
والطريف ان في هذا البيت العجيب ايضا صورة متحركة تعرفك باكثر ما غاب عنك .. انه دافيد ابن اخت الفنان، وهو في العقد السابع من عمره . كان يحدثني عن خاله شارحاً مفسراً معلقاً ؛ بفرنسية حذورة متهاينة : خاله بطرس انسان لطيف متواضع يخاف البهرجة في كل اشكالها ويثق بالنظام . وكان يدع برنامجه اليومي الثابت يتحكم به ويسيّره .
واما مزاجه ... مزاج النوابغ ... فهو غريب في رهافته عنيف في عصبيته وخاصة في ساعات الخلق والتدوين . واناقته .. فلقد اطربني دليلي في حديثه عنها : انها اناقة الفنان .. اناقة من
ـ البقية على الصفحة ٥٠


