ينصرف السر ونستون تشرشل في هذه الأيام إلى التأليف .. وأمامه مؤلف كبير يكاد يفرغ منه ، يستعرض فيه تاريخ الشعب البريطاني ، مفصلاً ، ويتناول تسلسل الأسرة المالكة وما تعاقب في حياتها من أحداث ، وتبطن في قصورها من مؤامرات وفضائح .. وفي هذا الفصل ، يتحدث السياسي العجوز عن حياة الملكة اليزابيث ، التي ارتقت العرش ، وهي في ربيعها الخامس والعشرين بعد اختها ماري الأولى وذلك في تشرين أول عام ١٥٥٨ ...
لم تكن الملكة الجديدة ملمة بأطراف السياسة ، ولا خبيرة في شؤون الحكم ، إلا أنها جمعت بعض التقاليد المتأصلة في أسرتها ؛ واعتلت العرش كإبنة هنري الثامن ، وجلبت معها كل صفاتها ، من بلاغة وإباء وحسن وأناقة ، وحزم في الملمات وطبع حاد.
سارت الملكة الشابة على طريق أسلافها ، فدرست الموسيقى والرقص ، والرماية ، وكانت تجيد ست لغات ، وكانت مثلهم أيضاً ، تحب التنقل من مكان لآخر ، حتى لا تكاد تستقر في قصر ، ويعود هذا إلى حياة القلق التي نشأت فيها منذ حداثتها ، فقد اعتبرت مولودة غير شرعية ، واستناداً لذلك نفيت من البلاط ، وتعلمت درساً قاسياً جعلها شديدة الحذر ، عميقة التأمل ؛ وكانت فترة حكمها تتطلب حزماً ودراية وبعد نظر في الأمور الداخلية والخارجية ولم ينقصها شيء من هذا كله ، كما كان لها موهبة خارقة في انتقاء بطانتها وعملائها.
وكانت تمر في أزمات نفسية شديدة فتمرح حيناً وتصخب وتثور أحياناً ، وتقذف حممها في وجه كل من شاء له حظه التعيس أن يمر بطريقها ؛ ولم يكن مستغرباً منها ان تصفع أمين صندوقها ، أو تقذف حذاءها في وجه سكرتيرها ؛ وكانت متحررة منطلقة في علاقاتها مع الجنس الآخر ، حتى قيل فيها : انها كانت في بعض أيامها أقوى من الرجال ، وحين تضعف تصبح كأعجز امرأة ؛ وكانت تعرف ، بحكم غريزتها ، كيف تجتذب إليها الآخرين ، حتى لو دعاها ذلك إلى المغازلة ؛ فقد وزعت حبها بين عدد من الرجال ؛ والأغرب أن رعيتها كانت تنظر إليها نظرة عبادة وتقديس.
اعتنقت اليزابيث المذهب البروتستنتي ، وهكذا فعل رجال بلاطها ؛ وأعلنت سلطة الملك على الكنيسة ، ثم تمكنت ، برغم ضعف أسطولها ، أن تقمع الثورات الدينية التي قامت في سكوتلندا ؛ وبقي بالتالي أمر زواجها ... وتقدم المجلس من الملكة العذراء بهذا الطلب ، غير انها رفضت ، وعذرها في ذلك انها لن تفرط بالمصلحة السياسية في سبيل أهواء فردية ..

