

سبر غورها العميق الخفي . ومن هنا انسجامه مع الرمزية الشعرية وان يكن قد تمكن منها احياناً ومن بعض الرمزيين المتطرفين في عصره .
اما الموسيقى المنبعثة عن طيات كلماته فما ابلغ تعبير الموسيقار الروسي « راخمانينوف » عنها عندما لحن خطاب « سونيا » في آخر رواية « العم فانيا » فقال : اني احاول ان اكتشف الموسيقى الكامنة في ادب تشيكوف فلا ان افرض عليها موسيقاي الخاصة .
واذ يقلل تشيكوف من الكلام ويكثر من هنيهات الصمت في مسرحياته هو ، انما يصور الحياة الروسية في عصره تصويراً انطباعياً كما تفعل ريشة كوكان ( Gauguin ) او سيزان ( Cézanne ) . وموضوعاته مأخوذة من صلب الحياة الروسية التي عرفها جيداً - من جماعة قادة الفكر التي ينتمي هو اليها ، ومن بيئة الممثلين الذين خبرهم عن كثب ، ومن جمهور الاطباء الذين عرف مهنتهم ومارسها . وتتكرر في مسرحياته جميعها تقريباً مجموعة واحدة من الاشخاص مؤلف روائي ، ممثلة معروفة ، فتاة شابة تتطلع الى الحياة بتوق وامل ، طبيب ريفي يعمل باخلاص في مهنته الشاقة ، وشخص يائس يحاول الانتحار ..
على ان هؤلاء الاشخاص على اختلاف انواعهم وبيئاتهم يشتركون جميعاً بميزة واحدة وهي انهم روسيون يعيشون في تلك الفترة القلقة من اواخر القرن التاسع عشر وكأنهم على مفترق الطرق يودعون
حياة بالية قديمة لا بد من زوالها ، ويتلمسون طريقهم لايجاد هدف جديد او معنى لحياتهم او صورة للافق البعيد . فهم متألمون ثائرون يائسون مكبوتون تنفجر عواطفهم احياناً انفجار البركان الهدام . وبكلمة اخرى هم مرضى نفسيون

لو وجدوا في عصرنا لفتشوا عن طبيب نفسي يداوي اضطراباتهم العاطفية وعلمهم النفسية . ويستولي عليهم اليأس احياناً ويحدو بهم الى الشكوى والاثنين والاعتراف . فكل منهم يعلم ان حياته على خطأ ، وكل يعلم ان عليه التخلص من حالته الحاضرة . ولكن كيف السبيل ؟
ويرد الجواب احياناً كبريق امل على محيا فتاة شابة تواقة الى الحياة الجديدة كوجه « ساشنكا » في رواية ايفانوف ، او على لسان طالب شاب يفكر بانقلاب جديد كالطالب « تريفومون » في رواية « بستان الكرز » (La cerisaie) - حالات نفسية تتقلب ما بين اليأس المضنك والأمل المشرق ، يرسمها تشيكوف بمهارة الفنانين الرشيقة ، ويلونها بتهكم لاذع ونكتة طريفة تستثير الضحك المفرج عن النفوس مع دموع الألم المحرقة .
يتبين مما سبق ان على الممثل في مسرحية تشيكوف مهمة شاقة ، اذ عليه ان يسبر غور نفسية مؤلفه واشخاصه