- ومع ذلك فما ازال اشك في صحة هذا السبب الذي انتحلته .
- بل هو عين الصدق .
- لا اصدق ما تقول .
- اعلم انك لا تصدقين ولكنك ما فتئت المرة تلو المرة تبدين رغبتك التي لا تحيدين عنها في ان يكون زوجك موظفاً كبيراً في الدولة . واخشى ان يتقدم احد الموظفين لطلب يدك اثناء وجودك في دمشق . لقد كان عدنان يبوح بحقيقة لا تحاول هي اخفاءها . وقد نما هذا العزم في نفسها نتيجة لما خبرته من موقف عامة الشعب تجاه طبقة الموظفين . فكانت ترى بشيء من الاهتمام ثم يزيد الاعجاب ما يبديه القرويون من ضروب الاحترام والتكريم نحو هؤلاء السادة ، سواء اكانوا من رجال الدرك ام من جباة الضرائب ، ام من قضاة صلح ام قائمقامين ام محافظين .
- ارجو الا يكون قصدك من السفر الى دمشق ان تذكرني بوجودك هناك ...
فقاطعها عدنان قائلاً : هذا هو بالضبط هدفي من السفر .
- سأعدل معك واعدك بان اتزوجك اذا صرت نائباً او محافظاً او وزيراً .
فقال عدنان مقابلا مزاحها بمثله ، هل تعدين بشرفك ؟ .
فنظرت اليه نظرة متسائل ثم قالت بشيء من عدم الاكتراث ، اعدك بشرفي .
- اذاً مدي يدك لترتبطي بهذا الوعد .
ومدت يدها وقالت : اية مدة يجب ان تنقضي لتحقيق ذلك ؟
- هذا امر يعود اليك تقريره .
فسألته بدون ان يخامرها شك في ان
الامر كله نوع من المزاح ايكفيك نصف عام .
فاجابها بلهجة الواثق المطمئن ، بل قد تكون المهلة اقصر كثيراً مما ذكرت .
وفي تلك اللحظة اقبلت الخادمة تحمل القهوة . فرشف عدنان فنجانه ، واشعل سيجارة ثم نهض قائلاً ، وداعاً الان وليحفظك الله .
فاجابته وهي تقهقه : في رعاية الله يا عدنان بك .
حضرت هيفاء بعد وصولها الى دمشق جلسة افتتاح المؤتمر ، والقت خطابها الذي اهتمت له الصحف وعلقت عليه . ثم ذهبت مع وفد من السيدات لزيارة وزير الداخلية وقدمن له مذكرة يطلبن فيها منح النساء حق الانتخاب وقد استقبلهن الوزير استقبالاً حاراً ، وخص بالحفاوة هيفاء التي كان المرحوم والدها احد رفاق الوزير في السلاح اثناء الثورة السورية على الدولة الفرنسية المنتدبة بين عامي ١٩٢٥-١٩٢٧ . وقبل ان تغادر هيفاء مكتب الوزير انتحى بها جانباً ودعاها لتناول العشاء في منزله ليلة الجمعة وقد شكرته هيفاء وانصرفت .
وفي مساء يوم الجمعة بعث الوزير سيارته لاحضار هيفاء الى منزله الواقع في جادة ابي رمانة العصري وكانت هيفاء ترتدي ثوباً للسهرة يبهر الابصار فاستقبلها الوزير وقرينته عند باب منزلهما وسارا معاً الى ردهة فسيحة كان يجلس فيها الضيوف . ولم يكن في الردهة اي طابع شرقي فقد كانت عصرية في طلائها وفي نقوشها وزخارفها ورياشها حتى ليخالها المرء قطعة من احياء نيويورك او باريس الارستقراطية الفخمة ولم يكن عدد الضيوف كبيراً ، وكان بينهم قائد الدرك السوري العام ، واحد باشاوات جبل الدروز ونائب تصحبه زوجته الانكليزية ومنصور بك محافظ حلب