في رأسي تتلاحق ألف صورة .. أسبك بعضها اليوم في هذا الإطار الصغير ..
كانت القاعة تزدحم بالرجال ، حملة الشهادات العالية والنساء ... نساء الطبقة الراقية .. بكامل أناقتهن .. وكنت أنقل بصري بين الزوايا ، وفي أذني غليان الأصوات ، تشق لها سبيلاً بين الحشد والزحام ..
وتطور البحث من الأزياء والعطور إلى السياسة .. ودخل الرجال في مناقشة موضوع الساعة ، وجادلوا النساء .. وسألوا عمن «ستجرؤ» هذه المرة لتدخل المجلس ، وتتحداهم .. ولن أورد كل ما سمعت من آراء ، كما لن أنكر على أحدهم حماسته وبطولته ، إذ احتد ، وهو «المثقف» ، للموضوع ، فراح يشرح السياسية والتاريخ ، ثم فرغ من محاضرته بقوله : «والآن هل يعقل أن نصوّت لامرأة؟»
وهبط نصف الإله أمام نظري إلى واد سحيق ، رأيت فيه كم «امرأة» تعبت في إخراج رأسه المحشو بالخيالات القبيحة ، والصورة المشوهة التي عجزت المدرسة عن انتزاعها .. فبقيت هناك ، مجمدة لتنفث القبح والتشويه ، وتطغى على الثقافة الرفيعة ..
وسمعت هذه الرواية من موظفة على جانب كبير من الذكاء ، ولذا تمكنت أن تحتل مركزاً مرموقاً بين زملائها ..
ولم تتحمل كبرياؤهم هذا ، فكانوا يلاحقونها بالمضايقات ، حتى قال لها أحدهم مرة : بالطبع يرقونك أنت .. فإنك امرأة .. ثم أنت جميلة ..
ألن ننتهي من هذه «الكليشه» البالية؟ .. أو لن تنقطع الأنشودة العتيقة التي أنهكت أسماعنا؟
وقالت صديقة لي مرة : ماذا تنتظرين منا أن نفعل ما دمنا العنصر الأضعف؟ .. ومضت تسرد لي كيف أنها حضرت اجتماعاً هاماً ، كانت هي المرأة الوحيدة بين الرجال .
قالت صديقتي : خرجت أبحث عن جدار أسند رأسي وأبكي كل دموعي ..
كانوا يوجهون إليّ السؤال تلو السؤال .. وكنت أجيب وأقدم رأيي في كل موضوع ، فلا أرى سوى نظرات اللامبالاة والسخرية ... وكأن عيونهم تتحداني : اسكتي .. أنت امرأة!..
واكتشفت بالتالي أنهم أخذوا آرائي ، فوضعوها على رأس اللائحة العملية ، ولكن واحداً منهم لم يقر لي بذلك ..
وقلت لصديقتي : دعي العميان يبحثوا عن الدرب ..
واليوم أيضاً ، لن نقود تلك الفئة إلى الطريق الصحيح ، لأنها تستحق بعض جهدهم .. فليجهد أنصاف المثقفين في البحث عنها ..







