
في السنة ١٦١٢ اضطرت الظروف الأمير فخر الدين المعني الثاني الكبير إلى هجر لبنان، والسفر إلى إيطاليا، تاركاً الحكم لأخيه الأمير يونس وولده الأمير علي.
ورأت الدولة العثمانية أن الفرصة قد سنحت لمد رواق سلطانها على لبنان، فراحت تنشط عمالها وأعوانها، من بني الحرفوش وسيفا وسواهم، وتمدهم بالرجال والعتاد لنزع سلطة المعنيين عن بعض الولايات والمقاطعات، وضم هذه اليهم.
وكان يوسف باشا سيفا من الد اعداء بني معن، فحمل على كسروان بخيله ورجاله، فاضطر حكامها الخازنيين إلى الفرار، وألقى مقاليد ولايتها إلى ولديه الأميرين حسن وحسين.
ومن العمال الذين ولاهم على هذه المقاطعة، تحت سلطان ولديه المذكورين، رجل يدعى علي بن سكيكر.
وكان هذا الرجل ممن يضمرون الحسد والحقد لآل الخازن، فما كاد يتسلم الحكم حتى عمد إلى نهب دورهم وحجز أملاكهم، وإلى اضطهاد كل من كان موالياً لهم حتى بات وليس في البلاد إلا من يضمر له الضغينة وحب الانتقام.
وأشد ما كان يثير الحقد عليه لؤم طبعه وتهتكه ... فهو لم يكن يتورع عن التحرش بأية امرأة تحلو لعينيه، ولا يتردد في استخدام كل ما لديه من الوسائل
لامتلاكها، غير حافل بما كان يثير عمله هذا من استنكار الناس، وما قد يولد هذا الاستنكار من ثورة في النفوس عليه.
وكثيراً ما فكر الكسروانيون الإباة بالثورة، ولكن الأوامر التي كانوا يتلقونها من مشايخهم الخازنيين بالسر، وهي تدعوهم للإخلاد إلى السكينة، كانت تحول بينهم وبين الاندفاع في تيار ثورتهم.
ولم يكن هذا إلا ليزيد العامل الفاسق جراءة على المضي في منكراته.
وحدث مرة أن شاهد على بيادر عجلتون فتاة أخذه جمالها ... وسأل عنها فقيل له: إنها ابنة رجل يدعى خاطر من خدم الخازنيين، وهو يقيم في منزل له بجوار القرية.
وكان خاطر من أقرب الناس إلى المشايخ، ومن أشدهم إخلاصاً لهم، وقد حاول أن يترك كسروان ويلحق بهم، بعد أن اضطروا إلى مغادرتها ولكنهم أبوا عليه ذلك وأمروه بالبقاء في عجلتون لملاحظة أملاكهم، ولمراقبة أعمال المغتصبين وموافاتهم سراً بأنبائهم.
فما كان من ابن سكيكر إلا أن استدعاه إليه، وطلب منه يد ابنته ... فهال الرجل أن يقدم الفاسق هذا الطلب ... ولكنه لم ير من الحكمة أن يصرح بما يجول في خاطره فقال له:
- أنا لا أعارض في ما طلبت،
ولكنني أوثر أن آخذ رأي ابنتي في الأمر.
فلم ير ابن سكيكر بأساً في ذلك ... ثم استيقظت ظنونه، وحدثته نفسه بأن الرجل سيفر بابنته، فبعث نفراً من رجاله يراقبونه، وأمرهم باختطاف الابنة، وبأن لا يترددوا في قتل الوالد إذا رأوه يحاول الفرار بها.
وهكذا كان ... فقد رأى خاطر أن يأخذ ابنته ويهرب وإياها ... ولما انتصف الليل، راحا يجدان في الهرب، وفجأة انقض عليها رجال الحاكم العاتي، وأثخنوا الوالد جراحاً، واختطفوا الابنة، وحملوها إلى مولاهم.
وكان الشيخ أبو نادر عميد الخازنيين، بعد أن هجر ولايته، يقيم في دير القمر، إلى جانب الأمير يونس المعني.
وفي مساء أحد الأيام، دخل عليه رجل عرفه في الحال، فهتف.
- خاطر ... ما وراءك؟
وكان خاطر قد تمكن بواسطة بعض الأكارين الذين التقطوه عن الطريق وضمدوا جراحه، من الوصول إلى دير القمر ... فروى للشيخ أبي نادر قصته باكياً ...
وثارت ثورة الخازني الكبير لهذا، وللكثير مما حمل إليه من أنباء الفاسق، وراح يشكو الأمر إلى الأمير يونس، فقال له الأمير: