يعاونها على استجماع ذهنها وتحليل الموقف هذا الصمت الاخرس الأصم الذي لا يتيسر في النهار . آه ، لو كان لها فقط ان تطفئ هذا النور الصارخ يتحدى مزاجها الرهيف هذه اللحظة بالذات ، وتستعيض عنه بشمعة ناعمة تؤنسها ، في تحفظ ، فلا تهب امها ملهوفة ، تستفهم عن سر سهرها . وراقت لها الخاطرة فأشعلت شمعة نحيلة بيضاء وضغطت ثانية على الزر المدلى من السرير .
وتهادت من الكوة المحاذية نسمة ربيعية مبتلة لفحت وجهها والشعر المرسل فانتعشت ، واستوت بتراخ ترد الغطاء على جسد متألق في شفافية الحرير ، وتغرق الرأس المنهوك في مخدة من زغب الريش . وطالعها امامها على الحائط رسم لها بجنون الضحكة . من يصدق انها منذ اسابيع كانت هكذا لاهية عابثة ، ليس ما يشغل بالها ؟ يا طالما حسدها رفقاؤها ورفيقاتها على الحرية التي تمتعت بها . فهي لا تعرف اباها . سافر قبل ان تفطم . وأمها ؟ ـ مسكينة امها ، حاولت اول الامر ردعها ومحاسبتها لكنها كانت اصلب من ان تنقاد لارادة امها ، وما اسرع ما افلت الرسن من يد الأم ، وأمست اليافعة طليقة من كل قيد ، وما اهون ما اغرتها الحرية فاستجابت لها وعاشت على هواها .
ومهد لها هذا المسلك شلة من الزملاء اعتادت مرافقتهم الى السينما والحفلات الراقصة والاشتراك معهم في مناقشة ما يطالعون من كتب ، وما يتعرّفون اليه من نظريات ، معظمها ينحو منحى فلسفياً حديثاً وجدت في طبيعتها فضولاً قوياً لاستطلاعه وتفهّم خفاياه ... وانها
لتعجب الان كيف استقام لها ان تنجح في دروسها سنوات ثلاثاً وهي على هذه الحال ! .
انه اختبار ... وقد يكون ضرورياً لكل شاب وشابة ، كانت لمياء تقنع نفسها ، مدافعة عن مسلكها ، معتصمة بتلك النظريات المتطرفة التي تعمر بها كتب الفلسفة : الانسان عبد لرغباته ، ولا عليه ان هي اغوته واستهوته فانصاع اليها طائعاً لا مختاراً . ؟
تعرف هي انها ما حاولت مرة مقاومة رغبة جاشت في صدرها . كيف كانت تسعى مكلوبة وراء غايتها لا مقدرة ثمة عواقب ، لا آبهة لنقد مغرض او نصح متجرد رشيد ..
حياة خفيفة مائعة عاشتها منذ اشرفت على الشباب بوفر من جمال نضر وذكاء .. ورغم ما تهيأ لها من اسباب الرفاهية والسعادة بقي ثمة شيء ينقصها : « الطمأنينة النفسية » .
كم اعجبها تشبيه الطبيب لحياتها ـ حكاية المركب التائه ـ ايكون فهم كل شيء من مظهرها . من حرتتها . من ضيق خلقها ؟ .. ام انه سمع اخبارها من هنا وهناك . ؟
يمكنها ان تؤكد مستعينة بذاكرتها الحادة ، ان اضطرابها بدأ يتجلى لها ، اسابيع بعد التحاقها بصف الفلسفة . لكم سمعت عن شخصية ذلك الاستاذ ومثاليته ، انما لم يكن يخطر لها ان في ممكنة اي رجل التسلط عليها وفرض سطوته هكذا ، دون ان يأبه هو لمطلق وجودها . وللحال انتصب في خيالها الاستاذ بقامته الفارعة وصدره العريض وجبهته العالية وصوته الدافئ المجلجل . ما كان
ابلهها اذ استهوتها عشرة « الشلة » تلك ، ولو الى حين . كيف لها ان تكف عن المقارنة بين هذا الصنف من الاقزام المائعين وذاك النبيل المتفوق الذي فعل في نفسها فعل السحر ... لا ريب ان هذا التأثير كان الى الافضل ... الى « الاسمى » .
ان كبرياءها لتأبى عليها ان تسمي « عاطفتها » نحو استاذها . ايعقل ان تكون « حباً » ؟ ! لا لا ! هي تريد ان تقنع ذاتها ان شغفها ، بل هوسها هذا ، لم يكن بشخص الاستاذ ، وانما من خلاله ، بالفيلسوف العظيم ـ محور بحوثهم ومناقشاتهم ، وهي ما عليها ان احبت هذا او ذاك ؟ المهم في الامر ان قلبها اطل على دنيا ، وانفتح على نعيم ، هي الان انسانة ثانية ـ انسانة تحب ـ وفي سبيل هذا الحب انكرت ذاتها ولاول مرة تحرك عقلها واستيقظ كمن من سبات ، وقام يناقشها الحساب . وتكشفت لها حقيقتها . الله ! في اي وهم ـ في اي ضلال كانت تعيش ! مكبلة عقلها ، شالة اياه عن العمل !!
وانصب اهتمامها كله على ذياك الفيلسوف ، تدرسه بحماس ورغبة لا عهد لها بها محاولة تقليده وانتهاج سبل عيشه المتقشف الزاهد .
ثم انها بدأت تهمل عشرة زملائها ـ بل نفقتها ـ منتحلة الاسباب لتخلفها في البيت ، مستغرقة في التأمل والتفكير ، دون ان تجرأ على الجهر بما يصطرع في داخلها من شجون !
وبقدر ما شغفت بذياك الفيلسوف وتأثرت بمبادئه وتعاليمه خجلت من واقع ما تدنت اليه وبدأ صراعها ...
