
لم يكن ثمة موسيقى منذ ألوف السنين قبل فجر التاريخ يوم كان على الإنسان أن يصارع قوى الطبيعة حرصاً على البقاء. لم يكن يعرف شيئاً عن تعاقب الليل والنهار ولا عن تتابع الفصول، والرعد والبرق والمطر، ولهذا فسّر هذه الظواهر الطبيعية تفسيراً يتلاءم وغموض الأشياء كما بدت له لأول وهلة؛
فظن أن الأشجار والشمس والمطر والحيوانات والعصافير والنار تسكنها آلهة شريرة وأخرى صالحة ولكي يرضي هذه الآلهة أو يتقي شرّ غضب تلك، كان يقيم لها الصلوات. فإذا أراد أحد الهمجيين أن يرضي إله الشمس أو الريح أو المطر كان يدعو أفراد قبيلته لإقامة صلاة لذلك الإله فيرقصون الرقصة الخاصة به، وعندما كان يريد طعاماً كان يلجأ إلى تمثيل - قصة الصيد. وهكذا...
جميع الفنون من موسيقى ورقص وشعر وكتابة ورسم نشأت من هذا الأساس عندما كان الإنسان يناجي آلهته أما لطلب أمر من الأمور أو لشكرها على نعمة من النعم. ولكن ما هي الوسائل التي استعملها الإنسان للتعبير عن ذلك؟ أنه دون ريب، استعمل يديه ورجليه وذلك أما عن طريق ضربها بالأرض أو ضرب إحداهما بالأخرى أن يتمايل جسده ذات الشمال وذات اليمين، أو إلى الأمام والخلف، أو بالتطريب بصوته. فكانت الموسيقى نتيجة لتلك الحركات والأصوات وهما الركنان اللذان قامت عليهما الموسيقى في نشأتها وتطورها.
لنذهب أبعد من ذلك لنسمي «الصيحات» التي تصدر عن الإنسان ساعة فرحه «غناء» فستنتج أن الإنسان عرف الغناء
قبل الكلام، وما تلك الصرخات سواء أكانت نتيجة للفرح أو للحزن أو الخوف إلا تعبير عما يخالج النفس الإنسانية من عواطف. وإذا صح هذا كان أول تعبير الإنسان عن داخل شعوره بالموسيقى، وما الغناء إلا شكل من أشكال الموسيقى وما الموسيقى بحقيقة الواقع إلا سجل لعواطف البشر عبّر عنها بالأصوات.
أول محاولة لصنع الآلات الموسيقية كانت نتيجة مباشرة لحب الإنسان للغناء والموسيقى وحرصه على إجادة التعبير عن عواطفه إذ وجد أن أعضاءه البشرية لا تكفي للتعبير عما يخالج نفسه من عميق شعور، عند ذلك تطلع حوله فرأى قطعتين من الخشب فأمسك بها وخبطها خبطاً رفيقاً يساير دقات رجليه بالأرض ثم لاحظ أنه إذا شدّ جلد حيوان على جسم مجوف ثم دأب الجلد بأنامله تولد
عن ذلك صوت جميل ألذّ إيقاعاً على الأذن؛ ثم أنه اهتدى إلى صنع الصغيرات من قطع العظام وفروع الشجر ثم ربط عدة قصبات ذات أطوال مختلفة جنباً إلى جنب فانتبه إلى الاختلاف في الصوت بين كل قصبة وأخرى وهكذا كانت أول معرفة للإنسان بالسلم الموسيقي. ولاحظ أيضاً أن وتر الجلد المشدود على قوسه الذي يستعمله في صيد الحيوانات إذا ما جُذب بعيداً ثم تُرك، يعطي صوتاً ناعماً، وهكذا بدأ باستعمال الأوتار الجلدية في الآلات الموسيقية.
مرت الموسيقى، بعد أن استوت كفن له أصوله، في أطوار رفعتها إلى مرتبة عالية من الكمال، أسلوباً وآلة. ظهرت