من خلال البحوث الضافية والمؤلفات القيمة والمقالات الرائعة التي كتبت عن حياة العالم الفرنسي الشهير ( باستور ) تتجلى لنا شخصية كبيرة صامتة آثرت خدمة الانسانية في غير صخب وضجيج تلك هي زوجته الصالحة التي كان لها في اكتشافاته الرائعة دور ليس لمنصف ان يتجاهله او يبخسه حقه .
ومن حسن طالع البشرية ان تكون لباستور مثل هذه الزوجة المخلصة الوفية التي آثرت رجلاً من عامة الشعب كان ابوه مجرد دباغ جلود على كثير من ذوي الثراء والجاه والنفوذ . ومن حسن طالع البشرية ايضا ان تكون هذه المخلوقة الكريمة في الذروة من الطبقة الارستقراطية المترفة التي قاسى من غرورها وطغيانها السواد الاعظم من الشعب الفرنسي في ذلك الحين الشيء الكثير .
هي كريمة مسيو لوران عميد جامعة ستراسبورغ حيث نقل باستور الى تلك الجامعة العتيدة من سلكه القديم في التعليم .
واذا كان اسم هذه الانسانة الطيبة نادراً ما يذكر فضلاً عن ان يقدر حين يرد ذكر باستور فان اسمها كان كثيراً ما يردد بلهجة المعترف بالجميل من قبل الشخص الذي كرست حياتها له ليكرس هو بدوره حياته لخدمة الانسانية .
فقد قال مرة لنفسه : « اني وجدت فيها كل الصفات التي كنت انشدها عند بحثي عن زوجة » . وقد كان حقاً ما قال وليس ذلك بكثير على رجل عظيم حصيف الرأي مثل باستور . فمنذ اليوم الاول من زواجهما الميمون لم تكتف بالسماح له بان يعطي لأبحاثه المكانة الاولى في حياتها الزوجية ، بل شجعته وآزرته على ان يسلك المسلك الذي يريد بالشكل الذي يحقق له ما يصبو اليه من خدمة ابناء البشر أجمعين . هذا الى انها لم تكف عن العناية به والسهر على راحته ومنحه كل خدمة تجد نفسها قادرة على ادائها له خير اداء . واليها وحدها كان زوجها العالم يودع مكنونات واسرار ابحاثه قبل ان
تكتمل وتعرض على الناس ليجنوا ثمار هذه الحياة الزوجية المثالية . وليس من المبالغة القول بان باستور لم يكن ليقدم من البحوث والمكتشفات في عالم الطب والصناعة والزراعة قدر ما قدم ، لولا هذه الحياة الزوجية الهانئة التي وفرتها له زوجته على حساب صحتها وراحتها ولذاتها البريئة التي الفتها قبل اقترانه به .
ومن الصعب جداً ان لم يكن من المستحيل ان نعدد المآثر التي انجزتها راضية قانعة بان يكون لها فخر مشاركة حياة رجل عظيم تشاطره يأسه وامله ، وفوزه وفشله ، في خضم عالم التجارب والابحاث المجرد عن العاطفة وظروف حياة الفرد العادي تجريداً تاماً .
فحين كانت ابنتها الصغرى تشكو من توعك في صحتها تطور بعد ذلك الى مرض اودى بحياتها بعد فترة قصيرة من الزمن ، كانت هي من جانبها تتجنب كل ما من شأنه ان يبعث القلق في نفس زوجها المنهمك في ابحاثه وتجاربه . فكانت تبعث له الرسالة تلو الاخرى وكلها تمويه اضطراري وايهام مصطنع على صحة الطفلة التي كانت تصارع الموت صراعاً مريراً ، لتفسح له المجال في التوغل بعيداً في ميدان المجد الخالد ، حتى بلغ بها الامر ان كتمت وكظمت حنانها الجارف ، حنان الوالدة المرؤوم على طفلتها التي كانت تحث الخطى نحو الموت المحتم ، فتكتم عن زوجها واقع حالة طفلتها ولا تدعه يراها الا وهي جثة هامدة على فراش الموت .
وعندما رغب باستور ذات يوم ان يتلو على مسامع اكاديمية العلوم في باريس نص مقالة كتبها احد العلماء الايطاليين

